الأركان التعليمية
الأركان التعليمية
الأركان التعليمية: لبيئة تعليمية تفاعلية ومحفزة
ما هي الأركان التعليمية؟
الأركان التعليمية هي الأماكن التي تُخصص لأغراض تعليمية محددة ومتنوعة داخل الصف الدراسي أو الروضة. وتُعد هذه الأماكن بمثابة بيئة للتعلّم الذاتي أو الفردي، فهي تحتوي على مواد تعليمية وأدوات ومصادر متنوعة للتعلم ولكافة المستويات التعليمية بالمدرسة. وتُرتّب بطريقة منظمة بحيث يسهل استعمالها وإعادتها من قِبل التلاميذ في الصف.
تُعتبر الأركان التعليمية جزءاً لا يتجزأ من العملية التعليمية التعلمية، فهي تعمل على التنظيم الفعال للبيئة التعليمية متعددة المستويات. وتُعد من الاتجاهات المعاصرة والحديثة في التعليم التي تتماشى مع مهارات القرن الواحد والعشرين . فالتعليم بالأركان هو تعليم يحدث من خلال لعب المتعلمين أو الأطفال وتفاعلهم ضمن أركان تعليمية غنية بمصادر تعلم، بحيث يكون كل ركن مجهزاً بوسائل وأدوات وألعاب تربوية تستهدف قدرات ومهارات المتعلم لتطوير جميع الجوانب النمائية لديه، والتي تشمل المجالات المعرفية والاجتماعية والانفعالية واللغوية والعقلية والجسمية وغيرها.
ويناسب هذا النوع من التعلم مرحلة الطفولة المبكرة بصورة خاصة، لأن تعلم هذه الفئة العمرية قائم على التعلم المحسوس وكذلك كونه قائماً ومستنداً على اللعب. كما ينمي المهارات الاجتماعية ويخلق جواً مشوقاً للتعلم، ويساعد على التفاعل الإيجابي ويشجع المنافسة، فهو تعلم فعال (نشط) ومنتج.
فوائد الأركان التعليمية في المدرسة أو الروضة
ترتبط أهمية استعمال أو توظيف الأركان التعليمية في الصف الدراسي بمختلف المستويات وفق فلسفة تنوع وتمايز المتعلمين وأنماطهم التعليمية وفروقهم الفردية وقدراتهم في التعلم والتفكير. حيث يمكن للمتعلم التعلّم من خلال الأركان التعليمية بمفرده، وحتى يمكن للمعلم كميسر أن يولي اهتماماً لمن هم في حاجة إلى المساعدة. لذلك نجد أن للأركان أهمية كبيرة لأسباب ترتبط بتنظيم الصف وطرق التدريس النشط الفعال أو المنتج.
ويمكن إجمال تلك الأهمية للأركان التعليمية كفوائد تعليمية فيما يلي:
1) زيادة التعلم
تُعتبر الأركان التعليمية من أنسب الاستراتيجيات التي تساعد على تعميق فهم المتعلمين للمحتوى التعليمي في مضمون المناهج الدراسية من خلال التطبيق الميداني لأنشطة تعليمية داخل الأركان، والتي من خلالها تنمية المستوى التحصيلي والمهارات العقلية للمتعلم. كما أن حرية المتعلم وفق هذا الأسلوب تتيح له فرص اكتشاف معارف جديدة وتزيد من قابلية التعلم ذاتياً.
2) تنمية مهارات التعلم الذاتي
يواجه المعلمون العديد من التحديات عند تعاملهم مع المتعلمين متفاوتي المستويات التعليمية والأعمار، إذ تحتاج هذه الاختلافات إلى جهد كبير ووقت طويل من قبلهم. من هنا تعمل الأركان التعليمية التي تتعدد بها استراتيجيات التدريس المناسبة للعمل مع المتعلمين في الصف الدراسي، فهي أكثر نجاحاً لأنها تحفز المتعلمين على ممارسة التعلم ذاتي التوجه، مما يتيح الفرصة لنمو قدرات المتعلمين على تحمل مسئولية تعلمهم بناءً على الخبرات الناجحة في الأركان التعليمية. ولذلك فمهارات العمل داخل مجموعات صغيرة ومتعددة الأعمار لها أثر إيجابي على أنشطة الصف وعلى مستوى نضج المتعلمين.
3) جعل التعلم جذاباً ونشطاً
ممارسة نشاطات الأركان التعليمية تساعد المتعلم على التعلم من خلال العمل والاكتشاف والتفاعل بما يسمح بممارسة مهاراتهم المختلفة. حيث تقدم الممارسة العملية والتعامل اليدوي مع المواد المختلفة داخل الأركان متعة ورغبة ومصدر جذب لهم.
4) مراعاة احتياجات المتعلمين
يعتبر توظيف الأركان التعليمية ذا أهمية كبيرة لمواجهة احتياجات المتعلمين بمستوياتهم وقدراتهم ومهاراتهم المتفاوتة. حيث يمكن اختيار الأنشطة المناسبة والمهام لكل المستويات وبدرجات متفاوتة في الأداء. كذلك فإن حرية اختيار الأنشطة وتخصيص وقت كافٍ للتعلم مع تنوع درجة صعوبة المواد التي يحتويها الركن، كل ذلك يوفر المرونة اللازمة.
5) زيادة اهتمامات المتعلمين
فعندما يحبون الدروس والواجبات والأنشطة والمهام المدرسية، فمن المتوقع أن يعملوا بجدية أكثر لتطوير مهاراتهم ويكونوا مثابرين. فالعمل في الأركان التعليمية نشاط تعليمي محبب، كما يسمح لهم بحرية اختيار المهام مما يساعد في توافق واتساق ميولهم واهتماماتهم، وإثارة حب الاستطلاع والإبداع لديهم.
6) الأركان التعليمية أداة للتقويم
فمن المعروف أن الأنشطة التعليمية والمهام التي تمارس تهدف إلى اندماج المتعلمين وإشباع رغباتهم واهتماماتهم وبالتالي تطبيق ما تعلموه. كما بالإضافة لتقديم مواد ومعارف ومعلومات جديدة، فإنه من خلالها أيضاً يُستخدم للتقويم ومدى إتقان المتعلمين للمفاهيم الجديدة التي اكتسبوها. وكذلك يراعي التغذية الراجعة وتقويم الأقران والتقويم الذاتي.
خصائص الأركان التعليمية الفعالة
من أهم متطلبات نجاح الأركان التعليمية هو أن يكون لكل نشاط تعليمي يقوم به المتعلمون في الركن هدف محدد. فقد يبدو أنهم يلعبون بالألعاب في أحد الأركان بينما هم يتعلمون. لذا يجب أن نكون على دراية كافية بمدى ارتباط كل نشاط تعليمي تعلمي يتم ممارسته بمحتوى الدروس والمهارات والقدرات اللازم تعلّمها. ومن هنا يجب تخطيط وإدارة الأركان التعليمية بطرق مختلفة ومتنوعة تتماشى وتتناغم مع احتياجات واهتمامات المتعلمين ورباتهم من أجل تحقيق أهدافها (أي الأركان التعليمية).
ويجب تحديد هدف تعليمي لكل نشاط، ومراعاة احتياجات المتعلمين مختلفي القدرات والمستويات والأعمار وتهيئة الفرص لتفاعلهم معاً، وكذلك تنمية التوجه الذاتي لديهم من خلال تحمل المسئولية وإجراء الاختيارات المفضلة لهم.
كما يجب إتاحة الفرصة لتعلم كل منهم وفقاً لسرعته والمرونة باستعمال الوقت والمكان المناسب للتعلم من خلال الأركان. وتنويع الأنشطة الصفية بحيث تتضمن أنشطة ابتكارية إبداعية وتصميم الأركان بشكل متجدد وجذاب حتى تثير اهتمام المتعلم. وأن تخصيص وقت للمتعلمين بعد الانتهاء لعرض أعمالهم ومناقشتها، كما يساعد على استعمال طرق مختلفة لتقويمهم.
أنواع الأركان التعليمية
قد يتضمن الصف متنوع أو متعدد المستويات أركاناً تعليمية لأنواع مختلفة من الأنشطة ومتطلبات المنهج، وهناك ثلاثة أنواع رئيسية من هذه الأركان: الدائمة، والمؤقتة، والمتنقلة. والتي سوف نوضحها هنا:
أولاً: الأركان التعليمية الدائمة
وهي أماكن في حجرة الدراسة أو البيئة الصفية تُخصص للتركيز على مادة دراسية معينة أو نشاط معين. ويعتبر المكان المخصص لركن المادة الدراسية مكاناً لممارسة أنشطة المتعلمين بالإضافة إلى أنه مكان لتخزين وحفظ المواد الخاصة بهذه المادة الدراسية. وقد يستمر الركن على نحو واحد طوال العام الدراسي أو يتم تغييره عندما يتطلب الأمر ذلك، حيث يتم تغيير أنشطة أو أجهزة معينة وحسب متطلبات الأهداف المرجو تحقيقها وكذلك متطلبات المادة أو المحتوى التعليمي.
وتحتوي الأركان الدائمة عادة على منضدة أو أكثر أو مساحة على الحائط لوضع التوجيهات والصور وعرض أعمال المتعلمين الخاصة بهم وبالركن. وهنا يساعد المعلم في تحضير الأنشطة التي يمكنه الاختيار من بينها أو يسمح لهم بتقرير كيفية قضاء الوقت في الركن. وأركان المواد الدراسية هي: الرياضيات، اللغة العربية، العلوم، التربية الفنية، وركنا الأنشطة العامة هما المنطقة الهادئة ومنطقة الاستماع.
وفيما يلي وصف لهذه الأركان:
ركن الرياضيات
الهدف العام في هذا الركن هو: تحسين مهارات وقدرات المتعلمين في العد والحساب وزيادة فهم المفاهيم الرياضية من خلال اللعب بالمواد الملموسة والتعامل معها. يمكن للمعلم تكوين ركن الرياضيات باستخدام منضدة مستطيلة وبعض الرفوف على الجدار.
ومن الأدوات المستخدمة في ركن الرياضيات: بطاقات أنشطة تحتوي على مسائل ذات مستويات مختلفة، ألعاب رقمية، أدوات قياس، ورق رسم بياني، أشكال مجسمة ومكعبات هندسية، أوراق عمل لحل مسائل الرياضيات، ومعداد وقطع ميكانو ودومينو، أدوات هندسية.
لتسمح الأنشطة المتنوعة على التعلم، فمثلاً أحد المتعلمين يقارن بين مجموعة من الأشياء (رقم 4 وصورة لست تفاحات)، ومتعلم آخر يلعب بساعة لعبة بها عقارب متحركة وقطعة ورق ويستخدم بطاقة نشاط بها أسئلة تطلب منها تغيير الوقت على الساعة لتبين متى تستيقظ ومتى تذهب للنوم وتقوم بكتابة الأوقات على قطعة الورق.
ركن اللغة العربية
يهدف هذا الركن إلى تطوير مهارات المتعلمين في القراءة والكتابة. لذلك يهيئ هذا الركن الفرصة للمراجعة والتدرّب على مهارات القراءة والكتابة والتحدث والاستماع باستخدام الأنشطة التي أُعدت مسبقاً لمواجهة احتياجات الدارسين التعليمية. ويمكن تطبيق هذه المهارات مع مواد أخرى مثل الدراسات الاجتماعية وغيرها.
ومن المواد التي يحتويها: يحتوي هذا الركن على لوحة تجريد الحروف الأبجدية التي تتضمن الحروف وصوراً لأشياء تبدأ أسماؤها بهذه الحروف، وكذلك صور وكتب وألغاز وورق للكتابة وأسئلة تشجع المتعلم على القراءة والكتابة لتحسين مهارات المتعلمين فيها.
فلو كان هناك متعلم يتطلب تحقيق أهداف تتعلق بتحسين مهارات القراءة والكتابة من خلال التدرب على بعض الحروف، مثل الاستعانة بكراسة التدريبات، بكتابة بعض الحروف العربية المتشابهة (ب، ت، ث، ... إلخ)، ثم قراءة قائمة من الكلمات تحتوي على هذه الحروف ثم كتابة خمس منها. بينما يُطلب من متعلم آخر استعمال كلمات القائمة التي أُنجزت لكتابة بعض الجمل وهكذا.
ركن العلوم
إن هدف المعلم في ركن العلوم: هو إتاحة الفرصة للمتعلمين لتطبيق المفاهيم التي تعلموها ولتجريب واستخدام بعض المواد العلمية والأدوات وحل بعض المشكلات أثناء عملهم بشكل فردي أو في المجموعات. حيث يتكون ركن العلوم من منضدة طويلة موضوعة بجانب الحائط مع بعض الكراسي.
أما المواد: قد يوجد في ركن العلوم بعض الأدوات والأجهزة مثل المغناطيس والثرمومتر والمساطر والموازين، كذلك بعض المواد الطبيعية مثل الصخور والأصداف وبعض الكتب الخاصة بالحيوانات والأسماك والطيور والبيئة، وكذلك بعض النباتات الحية وبعض أوراق الرسم. ويوجد أيضاً على المنضدة بعض الصناديق الصغيرة التي تُخصص لوضع الصخور والأصداف والبذور وقطع الأقمشة والخيوط. كذلك نجد آنية بلاستيك لوضع أدوات العلوم البسيطة.
مثال: يطلب المعلم من المتعلمين تنفيذ واختيار أحد الأنشطة المرتبطة بالنباتات، يمكن لأربعة منهم قياس نمو نبات الذرة مثلاً المزروع في حديقة المدرسة أو قياس أطوال النباتات ومقارنة طول النباتات المنزرعة في الشمس والنباتات المنزرعة في الظل. كذلك يمكن رسم لوحة تبين مراحل نمو النباتات من البذرة حتى النمو الكامل.
ركن الفن
يهدف هذا الركن إلى: تحسين مهارات المتعلمين في استخدام المواد الفنية وإكسابهم خبرات فنية متنوعة، وعلى المعلم تشجيعهم على استخراج طاقاتهم الكامنة للتعبير عن أنفسهم. وذلك من خلال استخدام الألوان والتصميمات والرسوم، كما يجب أن يكون حريصاً عند تقييمه لأعمالهم وجهودهم. فركن الفن عبارة عن مائدة مستديرة حولها بعض الكراسي لجلوس المتعلمين. كما يسمح للمعلم في هذا الركن لهم باختيار الأنشطة والمواد اللازمة، ويمكن لهم العودة إلى ركن الفن عدة مرات لإكمال مشروعهم الطويل.
والمواد التي يحتاج هذا الركن لها هي: أوراق رسم متعددة الألوان وأقلام رصاص وأقلام تلوين وقطع من الأقمشة وخيوط وصلصال ومقصات ومساطر وقطع البلاستيك وغير ذلك.
أنشطة المتعلمين في هذا الركن: فقد تجد في هذا الركن متعلماً يرسم أزهاراً باستخدام الأقلام الملونة، وآخر يعلم أحد زملائه النسج أو النحت مثلاً، وهناك متعلم آخر يكوّن أرقاماً مستخدماً بعض المواد مثل الصلصال أو البلاستيك وهكذا.
الركن الهادي
يُخصص هذا الركن ليعمل كل متعلم على حدة. فهو مخصص للمتعلمين ضعاف المستوى، وكذلك لتعويض بعضهم عن الدروس والواجبات التي لم يحصلوا عليها نظراً لظروف مثل الغياب وما شابه.
ثانياً: الأركان المؤقتة
تُصمم الأركان المؤقتة لجذب انتباه وتركيز المتعلمين أثناء أدائهم لمهارة أو مادة معينة أو موضوع ما لفترة زمنية محددة. فمثلاً في ركن اللغة العربية الدائم يمكن للمعلم إعداد أنشطة ومواد لتنمية مهارة الكتابة لمدة عدة أسابيع بعد أن يلاحظ وقوع المتعلمين في أخطاء معينة عند كتابتهم أو كثرة الأخطاء الإملائية لديهم.
وهذا التدريب الإضافي على مهارة معينة يسهّل على المتعلم أن يؤديه في الركن بدون إشراف مباشر من المعلم إن أمكن. وهناك أمثلة أخرى للأركان المؤقتة وهي أركان الموضوعات الرئيسية أو الموضوعات العامة وتتكامل فيها عدة مواد دراسية كالدراسات الاجتماعية والعلوم والرياضيات.
ثالثاً: الأركان المتنقلة
تُستعمل الأركان التعليمية المتنقلة عندما لا يسمح مكان الدراسة بتواجد الأركان بشكل دائم داخل الصف الدراسي. لذا يمكن أن يكون الركن كمائدة يوضع عليها الركن المتنقل، ويمكن أن يوضع هذا الركن بعد استخدامه في صندوق أو كرتونة كبيرة وتوضع على المكتب أو المائدة. وتُستخدم في ممارسة الركن في وقت معين من اليوم ثم يُنقل الركن إلى مكانه الأصلي. وتُوظف هذه الأركان في الصفوف الدراسية ذات المساحات الضيقة والتي يصعب وجود مساحات كافية بها لتخصص للأركان. وفيها يحتاج المعلم إلى إعادة ترتيب محتويات الركن في كل مرة قبل الاستخدام وبعده بالاشتراك مع المتعلمين.
خاتمة
من هذا كله، فإن الأركان التعليمية تُعد أحد مفاتيح نجاح التعليم، ومن الأساليب الحديثة التي يمكن أن ترتقي بالعملية التعليمية وتنعكس على أداء التلاميذ. فهي ليست مجرد أماكن في الصف، بل بيئة متكاملة تحفز التعلم الذاتي والإبداع والتفاعل، وتُراعي الفروق الفردية بين المتعلمين، وتجعل من التعليم تجربة ممتعة ومنتجة.
هل جربت تطبيق الأركان التعليمية في صفك؟ شاركنا تجربتك في التعليقات!
التعليقات
إضافة تعليق