التنمية المستدامة في التربية والتعليم
نحاول في مقالنا هذا توضيح مفهوم التنمية المستدامة بطريقة مفصلة، ثم نتطرق إلى رؤية له من جانب التربية والتعليم العالي باعتبارها من أولويات هذا العصر المعرفي. حيث تهدف التنمية بطبيعتها تحقيق تقدم مستمر في حياة جميع أفراد المجتمع ورفاهيتهم، وهي تقوم على أساس مساهمة جميع أفراده بشكل فعال في مشروع التنمية، والتوزيع العادل لعائداته. مما يستلزم قيادة مرموقة تستطيع مواكبة التجديد في المجتمع وقادرة على تلبية متطلباته، المتركزة على إعداد المواطن العالمي الإيجابي الذي يسهم في حل مشكلاته ومشكلات مجتمعه.
وقد شغلت التنمية المستدامة مكانة القمة والصدارة في قضايا التنمية البشرية، حيث بات واضحاً أن برامجها في سبيلها لأن تصبح علماً اجتماعياً جديداً له بنيته الفكرية ومنطقه الخاص، وهدفه تنمية قدرات ومهارات ومعارف المجتمع (أفراداً ومؤسسات) واستثمارها وفق معايير الكفاية والفاعلية والاستمرارية. (يمكنك الاطلاع على المزيد حول التنمية المهنية في مدونتنا).

يعرفها المجلس العالمي لمبادرات التنمية البيئية المحلية (1994) بأنها: "توفير وتقديم الخدمات البيئية والاجتماعية والاقتصادية الأساسية لكل السكان في جماعة بدون تهديد لكفاءة النظم الطبيعية والبنائية والاجتماعية التي يعتمد عليها تقديم تلك الخدمات" (Mawhinney, 2002, p 3).
وهناك الكثير من التعريفات لها، إلا أنها تشترك في مفهومها الفكري؛ فالتنمية هي التي تجيب عن حاجات الحاضر دون تعريض قدرات الأجيال القادمة للخطر. وقد تطور تعريف المفهوم في الاستراتيجية الجديدة للحفاظ على الطبيعة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى: "فعل تحسين شروط وجود المجتمعات البشرية مع البقاء في حدود قدرة تحمل أعباء الأنظمة البيئية".
وهي تتضمن مفهومين أساسيين هما:
- إعطاء الأولوية المطلقة لمفهوم الحاجات: وخصوصاً الحاجات الأساسية لفقراء العالم.
- فكرة القيود: التي توفرها حالة التكنولوجيا والتنظيم الاجتماعي على قدرة البيئة للاستجابة لحاجات الحاضر والمستقبل (شبارة، 2002، ص 13).
أهداف التنمية المستدامة
في ضوء ما سبق، تصبح الأهداف التي تسعى التنمية المستدامة إلى تحقيقها هي:
- الاندماج والتكامل البيئي: أي اندماج اهتمامات الحفاظ على الحيوية والتنوع الجيني في مجمل أعمال المجتمعات البشرية، عبر إجراءات حماية جودة البيئة والإدارة المستمرة لاستثمار الحيوانات والنباتات.
- تحسين العدالة الاجتماعية: تسهيل إشباع الحاجات الأساسية للتجمعات البشرية الحالية والمستقبلية، وتحسين جودة الحياة وتوفير فرص العمل والتعليم والعناية الصحية.
- تحسين الفاعلية الاقتصادية: تشجيع الإدارة المُثلى للموارد البشرية والطبيعية والمالية، بُغية السماح بإشباع حاجات التجمعات البشرية.
متطلبات التنمية المستدامة
وتتمثل في توافر النهج الجديدة واستثمار تقنية المعلومات واستخدام منهج بحث علمي جديد وتوفر العلم المتكامل والشراكات والالتزام المؤسسي:
- توظيف النهج الجديدة: المساعدة في وضع التعلم والتنمية المؤسسية في قلب جهود التنمية المُستدامة.
- منظمات البحث العلمي والمجتمع المدني: التي تضم خبرات محلية وعالمية، وتساعد في رعاية مُنظِمي السياسات وفي رصد وتقييم أداء الحكومات والشركات.
- توافر تقنية المعلومات: تعزيز أنشطة البحث والتطوير لتعزيز تكنولوجيا المواد الجديدة واعتماد الآليات القابلة للاستدامة، ووضع الخطط التي تهدف إلى تحويل المجتمع إلى مجتمع معلوماتي.
- توافر منهج بحث علمي جديد: من خلال إشراك المنتفعين المحليين، وتعاون التخصصات المتنوعة في حل المشكلات، وإيجاد توازن بين حاجات الإنسان والمحافظة على الموارد الطبيعية.
- الالتزام المؤسسي: عبر عمل بيان يوضح الارتباط الوثيق لقضايا الاستدامة برسالة المؤسسة، وزيادة مشاركة المستفيدين في صياغة الرؤية.
معوقات التنمية المستدامة
تتضح معوقات تحقيق التنمية المستدامة في الجوانب الآتية:
- نقص قدرة أو رغبة المؤسسات الخاصة لتطوير التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
- وضع المنافع قصيرة المدى في مقدمة الأولويات والنتائج بالقطاعين العام والخاص.
- نقص قدرات الهيئات الحكومية في مواجهة النتائج وصعوبات الاستمرار على المدى الطويل للنمو الاقتصادي التقليدي.
- عدم الكفاءة ومدخل عدم التجديد في بناء البنية التحتية الفيزيقية.
- المقاومة المتأصلة للتغير في الهيئات البيروقراطية الكبيرة بالقطاعين العام والخاص.
- نقص قيادات التغير الكفؤ المتعلمة جيداً واللازمة للتنفيذ على المستويات المختلفة (James, 2003, p 237).
التعليم والتنمية المستدامة
يُعد التعليم أحد المتطلبات الرئيسة لتحقيق التنمية المستدامة، كما أنه قاسم مشترك في تلبية جل متطلباتها. فالتعليم باختصار هو الأمل والوسيلة الأكثر فعالية في المسعى الحثيث للبشرية نحو إنجاز التنمية المستدامة. إذ لتحقيقها، يتعين إجراء تغيير جوهري في اتجاهات وسلوك البشر في كل نشاط يقومون به.
ويقوم تقرير التعلم مدى الحياة لليونسكو عام (1972) على أربعة دعائم هي:
- تعلم لتعمل: ينبغي دمج التعلم مدى الحياة في عمليات التنمية المُستدامة التي تتطلب توجهاً أكبر للبؤرة البيئية.
- تعلم لتعرف: تعني أن التعلم لديه تأثيرات بعيدة تشمل التفكير الناقد والإبداعي وكسر الروتين والنماذج السلوكية الموجودة.
- تعلم للعيش معاً باستدامة: التركيز على التعلم القائم على المجتمع في تجديد المنطقة، والذي يركز على المشكلة، ويكون تعاونياً وانتقالياً وإبداعياً.
- تعلم لتكون: إجراء عملية تطوير المنهج لأننا نتعلم من خلال ما نعمله ومن خلال البيئات التي نعيش فيها ونشكلها (Blewitt, 2004, pp 24-34).
فجودة التعليم مطلوبة لتحقيق التنمية البشرية المُستدامة، وبالتالي فإن التنمية البشرية تكون غير تامة في غياب جودة التعليم للجميع. وعلى المدى العلمي الواسع، تتطلب الاستدامة تغيير الاتجاهات وتركيز الانتباه على الظروف التي تساهم في تأكيد التعليم للجميع في سياق التنمية البشرية المُستدامة (Cappon, 2002, p 38).
التنمية المستدامة في التعليم الجامعي
مر مفهوم التنمية المستدامة بمراحل متعددة؛ ففي سنوات الخمسينيات والستينيات ساد (النموذج التنموي) الذي يرمي إلى تنمية العالم من أجل تحقيق الرخاء والسلام بوصف الأحوال الاجتماعية بواسطة المصطلحات الاقتصادية. وفي عام 1972 وافقت الحكومات على حضور مؤتمر للأمم المتحدة حول (المشاكل البيئية) باستوكهولم، وتلخصت نتيجته النهائية في "التنمية من أجل البيئة الإنسانية".
واستخدمت عبارة التنمية المستدامة للمرة الأولى عام 1980 في الاستراتيجية العالمية للبقاء، المنشورة من قبل الاتحاد الدولي للطبيعة والصندوق العالمي للطبيعة. وفي عام 1983 أسست الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحددت في وثائقها بين مفهوم التنمية والمفاهيم البيئية باستعمال مصطلح التنمية المستدامة والثالوث التنموي (الاقتصاد، المجتمع الإنساني، البيئة).
وفي عام 1992 أصبحت التنمية المستدامة تركز على مكونات تشكل التحدي الأكبر أمام البشرية وهي: التحكم بالتعداد السكاني، تنمية الموارد البشرية، الإنتاج الغذائي، والتنوع الحيوي (أبو شريحة، 2005، ص ص 3-5).
المؤتمرات والإعلانات الدولية:
قُدمت فكرة الاستدامة في التعليم العالي لأول مرة على المستوى الدولي بواسطة الأمم المتحدة (برنامج التربية البيئية الدولي – 1978). ومنذ ذلك الحين توالى عقد العديد من المؤتمرات:
- إعلان إستوكهولم (1972): أول إعلان أشار إلى الاستدامة بالتعليم بأسلوب غير مباشر، وناقش قضية المساواة بين الأجيال ودور الأمم في تحسين بيئة الإنسان.
- إعلان تبلسي (Tbilisi): تتعهده منظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وقرر تقديم التعليم البيئي للناس لكل الأعمار والمستويات، وقدم خطوطاً إرشادية لاستراتيجيات العمل الدولية.
- إعلان تالوار (Talloire - 1990): عُقد بالمركز الأوربي بجامعة توفتز بفرنسا، وتقرر فيه أن رؤساء الجامعات ينبغي تنمية قدراتهم القيادية لحشد الموارد الداخلية والخارجية.
- إعلان هاليفكس (Halifax - 1991): نتج عن انعقاد المؤتمر الجامعي لتحقيق التنمية المستدامة بكندا، بهدف دراسة دور الجامعات في تحسين قدرة الدول في تحديد قضايا البيئة وتطويرها.
الخلاصة: أن تلك التصريحات والمؤتمرات تركز على قضايا البيئة وإحداث التطوير من خلال العمليات التعليمية والتدريب والبحث العلمي المُستدام. والتأكيد على أهمية دور الجامعات في تحقيق الإجماع الدولي والإحساس العالمي بالمسئولية والتضامن من أجل إيجاد مجتمعات مُستدامة. وضرورة ارتباط الاستدامة البيئية بالسكان والفقر والأمن الغذائي والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام. (اقرأ أيضاً عن طرق واستراتيجيات التدريس الحديثة).
التعليقات
إضافة تعليق