مفاهيم أساسية في الصحة النفسية، يحتاجها الجميع وخاصة التربويين
نحاول في مقالنا هذا وضع تصور عن أهم المفاهيم الأساسية في الصحة النفسية بصورة عامة. فالإلمام بمفاهيمها، أي (الصحة النفسية)، أصبح ضرورة لأي فرد وخاصة أصحاب التربية والتعليم.

الصحة النفسية هي حالة دائمة نسبياً، يكون فيها الفرد متوافقاً نفسياً، ويشعر فيها بالسعادة مع نفسه ومع الآخرين، ويكون قادراً على تحقيق ذاته ومواجهة مطالب الحياة. وتكون شخصيته متكاملة وسوية، ويكون سلوكه عادياً، بحيث يعيش في سلامة وسلام.
النفس = كيان مادي + كيان معنوي + سلوك. والسلوك هو الفعل الناتج عن تفاعل إمكانات النفس مع مكونات البيئة الخارجية.
وللصحة النفسية شقان:
- الشق الأول (نظري): يتناول الشخصية، والدوافع، والحاجات، وأسباب الأمراض النفسية وأعراضها، وإعداد وتدريب الأخصائيين، والقيام بالبحوث العلمية.
- الشق الثاني (تطبيقي): يتناول الوقاية من المرض النفسي، وتشخيص وعلاج الأمراض النفسية.
مفهوم المرض النفسي والسلوك المرضي:
- المرض النفسي: هو اضطراب وظيفي في الشخصية، نفسي المنشأ، يبدو في صورة أعراض جسمية ونفسية مختلفة، ويؤثر في سلوك الشخص فيعوق توافقه النفسي ويعوقه عن ممارسة حياته السوية في المجتمع.
- السلوك المرضي: هو سلوك عابر يلونه (يغلفه) الاضطراب الذي يشاهد كأحد أعراض المرض النفسي.
الصحة النفسية والمرض النفسي مفهومان لا يُفهم أحدهما إلا بالرجوع إلى الآخر، والاختلاف بينهما مجرد اختلافات في النوع وليس الدرجة، وهي فروق كمية وليست كيفية.
السوية واللاسوية:
- السوية: هي قدرة الفرد على التوافق مع نفسه ومع بيئته، وتحديد فلسفة سليمة للحياة، والشعور بالسعادة.
- اللاسوية: هي الانحراف عما هو عادي والشذوذ عما هو سوي، وفيها خطر على الفرد والمجتمع.
معايير السوية واللاسوية
- المعيار الذاتي: حيث يتخذ الفرد من ذاته إطاراً مرجعياً يرجع إليه في الحكم على السلوك بالسوية أو اللاسوية. عيوبه: قد يكون الفرد ذاته غير سوي فتكون أحكامه غير سوية (معيار شخصي وليس موضوعي).
- المعيار الاجتماعي: حيث يُتخذ من مسايرة المعايير الاجتماعية أساساً للحكم على السلوك. عيوبه: غير ثابت، يتغير بتغير المكان والزمان، وينتج عنه خلق صراع الحضارات والأجيال.
- المعيار الإحصائي: حيث يُتخذ من المتوسط أو المنوال معياراً يمثل السوية، وتكون اللاسوية هي الانحراف عن هذا المتوسط بالزائد أو الناقص. عيوبه: يصعب تمثيله، حيث يحتاج إلى عدد كبير من الأفراد لتمثيل المجتمع في جميع خصائصه.
- المعيار المثالي: حيث تُعتبر السوية هي المثالية أو الكمال أو ما يقترب منه. عيوبه: يوجد فيه نوع من المغالاة، ولا يراعي شعور المجتمع الذي يعيش فيه الفرد.
مناهج الصحة النفسية
هناك ثلاثة مناهج أساسية في الصحة النفسية:
- المنهج الإنمائي: وهو منهج إنشائي يتضمن زيادة السعادة والكفاية والتوافق لدى الأسوياء والعاديين حتى يتحقق الوصول إلى أعلى مستوى من الصحة النفسية.
- المنهج الوقائي: ويتضمن الوقاية من الوقوع في المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية، ويهتم بالأسوياء والأصحاء قبل اهتمامه بالمرضى. وله ثلاثة مستويات: (منع حدوث المرض، تشخيصه في مرحلته الأولى، تقليل أثر أزمات المرض).
- المنهج العلاجي: ويتضمن علاج المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية حتى العودة إلى حالة التوافق والصحة النفسية، ويهتم بتوفير المعالجين والمستشفيات النفسية.
الشخصية: بنيتها وعوامل تكوينها
الشخصية هي جملة السمات الحركية، والعقلية المعرفية، والانفعالية العاطفية، والاجتماعية التي تميز الشخص عن غيره. ويعرفها البورت بأنها: "التنظيم الديناميكي في الفرد لجميع التكوينات الجسمية والنفسية، وهذا التنظيم هو الذي يحدد الأساليب الفريدة التي يتوافق بها الشخص مع البيئة".
أولاً: البناء الوظيفي للشخصية
يتكون من مكونات متكاملة ترتبط ارتباطاً وظيفياً قوياً في حالة السواء، وإذا حدث اضطراب أو نقص في أي مكون منها أدى ذلك إلى اضطراب في الأداء الوظيفي للشخصية:
- مكونات جسمية حركية: تتعلق بالشكل العام للفرد وإمكانات الجسم الخاصة.
- مكونات عقلية معرفية: تشمل الوظائف العقلية مثل الذكاء العام والقدرات والعمليات العقلية العليا.
- مكونات انفعالية عاطفية: تتضمن أساليب النشاط غير العقلي المتعلق بالانفعالات والعواطف.
- مكونات اجتماعية أخلاقية: تتعلق بالتنشئة الاجتماعية للشخص في الأسرة والمدرسة وجماعة الرفاق.
ثانياً: البناء الدينامي للشخصية (نظرية فرويد)
يوضح البناء الدينامي القوى المحركة في الشخصية والتي تحدد السلوك. ويتكون من:
- الهو (Id): أقدم قسم من أقسام الجهاز النفسي، وهو منبع الطاقة الحيوية والنفسية التي يولد الفرد مزوداً بها، وهو الصورة البدائية للشخصية قبل أن يتناولها المجتمع بالتهذيب.
- الأنا الأعلى (Superego): ويقصد به الضمير، وهو مستودع المثاليات والأخلاقيات والتقاليد، وهو بمثابة سلطة داخلية لاشعورية إلى حد كبير وينمو مع الفرد.
- الأنا (Ego): هو مركز الشعور والإدراك الحسي الخارجي والداخلي والعمليات العقلية، وهو الذي يتكفل بالدفاع عن الشخصية ويعمل على توافق الشخص مع البيئة وحل الصراع بين مطالب الهو ومطالب الأنا الأعلى والواقع.
- الشعور: هو منطقة الوعي الكامل والاتصال بالعالم الخارجي، وهو الجزء السطحي من البناء النفسي الذي يتعامل مع الواقع.
- اللاشعور: يكون معظم الجهاز النفسي، ويحتوي على كل ما هو كامن ولكنه ليس متاحاً.
- ما قبل الشعور: يحتوي على ما هو كامن وليس في الشعور ولكنه متاح، ومن السهل استدعاؤه إلى الشعور مثل الكلام والذكريات.
العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية:
- العوامل الحيوية والوراثة: تؤثر وظائف الأعضاء والتكوين الجسمي والغدد والجهاز العصبي، والوراثة تمثل العوامل الداخلية التي تحدد الأساس الحيوي للشخصية.
- البيئة والنضج والتعلم: البيئة هي كل التأثيرات التي تؤثر في الفرد منذ تكوينه. والنضج هو عملية النمو الطبيعي، والتعلم عملية لازمة لنمو الشخصية (معارف، عادات، اتجاهات).
- الثقافة والأسرة: تشكل الثقافة أصول معتقدات الفرد ولغته، وتؤدي العلاقات الأسرية بين الوالدين والطفل دوراً هاماً في تكوين شخصيته.
- المدرسة وجماعة الرفاق: تتأثر شخصية الطفل بشخصية معلميه والعلاقات الاجتماعية، كما تؤثر جماعة الرفاق بشكل إيجابي أو سلبي.
- وسائل الإعلام ودور العبادة والأدوار الاجتماعية: تؤثر بما تنشره من معلومات ونماذج، وتعلم المعايير الدينية التي تدعو للسلوك السوي.
سيكولوجيا التوافق النفسي
التوافق النفسي هو عملية دينامية مستمرة يحاول بها الإنسان - عن طريق تغيير سلوكه - أن يحقق التوافق بينه وبين نفسه، وبينه وبين البيئة، للوصول إلى حالة من الاستقرار النفسي والبدني والتكيف الاجتماعي. ويُعد التوافق إيجابياً حين يقوم الفرد بحل مشكلاته حلاً يعتمد على تقدير عوامل الموقف تقديراً عقلياً سليماً، ثم اتخاذ الإجراءات الفعالة لتخفيف ما يشعر به من إحباط.
خصائص التوافق النفسي:
- عملية كلية: تشير إلى علاقة الإنسان ككائن كلي متكامل مع بيئته.
- عملية دينامية: تعدل نفسها وتستمر باستمرار حياة الفرد.
- عملية وظيفية: تؤدي وظيفة للفرد وهي محاولة استعادة توازنه البيولوجي والنفسي.
- يرتبط بأسلوب التنشئة والسن: أساليب التوافق منقولة بالمعايشة مع المحيطين، ولابد من أخذ السن في الاعتبار عند فحص أسلوب التوافق.
مظاهر الشخصية المتوافقة:
- الراحة والطمأنينة النفسية (السلام مع الذات ومع الآخرين).
- حب العمل والقدرة على الإنجاز وتوجيه الجهد.
- الخلو من الأعراض الجسمية غير المتوافقة الناتجة عن التوترات.
- الواقعية فيما يتعلق بقدراته وطموحاته (مفهوم الذات).
- تنوع النشاط وعدم التركيز على نوع واحد دون إكتراث بجوانب النمو الأخرى.
- القدرة على ضبط الذات وتحمل المسئولية وتأجيل إشباع بعض الحاجات.
- القدرة على تكوين علاقات شخصية سوية قائمة على القبول المتبادل.
- الثبات الانفعالي والاستجابة المتزنة للمثيرات.
- القدرة على تحمل الإحباط.
- انخفاض مستوى القلق (القلق المعتدل دافع، أما المبالغ فيه فمن علامات سوء التوافق).
معوقات التوافق النفسي:
الإحباط: هو العملية التي تتضمن إدراك الفرد لعائق يحول دون إشباع حاجاته. ومسبباته: (الواقع الخارجي غير الملائم، الأنا الأعلى/الضمير، عجز الفرد وقصور إمكانياته).
الصراع: هو وجود دافعين متعارضين لا يمكن إشباعهما في وقت واحد. وله ثلاثة أنواع:
- صراع الإقدام - إقدام: موقفان متعادلان من حيث الصفات الجاذبة، ويتعذر إشباعهما معاً.
- صراع الإقدام - إحجام: رغبتان متعارضتان يود الشخص تحقيق إحداهما ولكن الأخرى تمنعه.
- صراع الإحجام - إحجام: موقفان كلاهما يلحق ضرراً، ولكي يهرب من أحدهما مضطر لمواجهة الآخر.
القلق: حالة من التوتر الشامل ينشأ خلال صراعات الفرد ومحاولاته للتكيف. وأنواعه: موضوعي (سوي) مصدره خارجي ويزول بزوال المثير، عصابي (مرضي) يشعر فيه الفرد بخوف غامض أو مخاوف مرضية، خلقي (الإحساس بالذنب) يحدث نتيجة لإحباط دوافع الذات العليا.
حيل الدفاع النفسي
هي أساليب غير مباشرة ولاشعورية يحاول بها الفرد إحداث التوافق النفسي. ووظيفتها: تشويه أو إبدال أو كبت حقيقة ما، حتى يتخلص من حالة التوتر الناتجة عن الصراعات التي لم تُحل. وتنقسم إلى:
- حيل انسجامية (هروبية): مثل الانسحاب، النكوص، التفكك، التخيل، التبرير، السلبية.
- حيل عدوانية (هجومية): مثل العدوان، الإسقاط.
- حيل إبدالية: مثل التحويل، الإعلاء، التعويض، التقمص، التعميم.
وتُقسم أيضاً إلى سوية (تساعد الفرد على حل أزمته دون إفساد العلاقة بينه وبين الجماعة)، وغير سوية (يظهر فيها سلوكاً مرضياً مثل الإسقاط والنكوص والعدوان).
مثال على التبرير: التلميذ الذي يتكرر رسوبه لا ينسب ذلك إلى إهماله، وإنما إلى فساد الجو المدرسي أو عدم نزاهة المدرس.
الأمراض والاضطرابات النفسية
أسباب الأمراض النفسية:
- أسباب حيوية (بيولوجية): مثل الوراثة (انتقال المورثات)، الاضطرابات الفسيولوجية (خلل الجهاز العصبي المركزي)، البنية والتكوين (النمط الجسمي والغدد)، والعوامل العضوية (أمراض، تسمم، إصابات في المخ).
- أسباب نفسية: تتعلق بمسار النمو النفسي المضطرب، الصراع، الإحباط، إخفاق حيل الدفاع، الخبرات الصادمة في الطفولة، والعادات غير السوية.
- أسباب بيئية واجتماعية: البيئة الاجتماعية والوسط المحيط، العوامل الحضارية والثقافية (التي تميل فيها الأمراض النفسية للانتشار في المجتمعات المتحضرة أكثر من البدائية).
تصنيف الاضطرابات:
- الأمراض العصابية (القلق، الخواف، الوسواس القهري): تتصف بتأثيرها الضعيف على شخصية المريض، ولا تهدد نجاحه في عمله إلا بقدر بسيط، ولا يحتاجون للحجز في المستشفيات غالباً. ومن أبرزها الخواف (الفوبيا): رعب مبالغ فيه من موضع أو موقف لا يمثل تهديداً (مثل خواف الأماكن المرتفعة، المغلقة، الدم، المدرسة).
- الأمراض الذهانية (العقلية): اضطرابات نفسية شديدة تعطل توافق الفرد لفترات طويلة وتجعله خطراً على نفسه والآخرين، ينبغي حجزه (مثل البارانويا، والذهان العضوي).
- السيكوباتية (السلوك المضاد للمجتمع): انحرافات في السلوك والخلق، تظهر منذ سن مبكرة، غير قابلة للشفاء، يرتكبون الجرائم دون خجل ولا ينتفعون من تجربة سابقة (المجرمون، المنحرفون جنسياً، مدمنو المخدرات، النصابون).
الوقاية من الأمراض النفسية:
- وقاية أولية: تحاول منع حدوث المرض.
- وقاية ثانوية: تحاول تشخيص المرض في مرحلته الأولى بقدر الإمكان.
- وقاية ثالثة: تحاول تقليل أثر إعاقة المرض وأزماته لدى المريض.
ختاماً: إن فهم هذه المفاهيم الأساسية في الصحة النفسية يعد حجر الزاوية لأي تربوي ناجح. فالقدرة على فهم الذات، وإدراك حيل الدفاع النفسي، والتمييز بين السواء واللاسوية، تساهم بشكل كبير في بناء بيئة تعليمية آمنة ومحفزة. يمكنك قراءة المزيد في قسم المقالات التربوية للتعمق أكثر في علم النفس التربوي.
التعليقات
إضافة تعليق