يُشار إلى التفكير فوق المعرفي بعملية (المعرفة حول المعرفة). فإذا كانت المعرفة الإنسانية تشير إلى البيانات والمعلومات المتوافرة وتُعطى للفرد، فإن التفكير فوق المعرفي يشير إلى المعرفة الداخلية، وعمليات معالجة المعلومات داخلياً، وكيفية التحكم في العمليات.
خرائط العقل في التدريس فوق المعرفي (الوعي بالمعرفة)
مراحل التعلم بالنموذج فوق المعرفي
تتألف مراحل التفكير فوق المعرفي النموذجي من خمس مراحل، هي: (التقييم القبلي، استكشاف المفهوم، تقديم المفهوم، تطبيق المفهوم، والتقويم البعدي للمفهوم). ولما كان هذا النموذج يهدف إلى تدريب المتعلم على كيفية تخطيط الأنشطة العملية وتنفيذها وتقويمها (مهارات التفكير فوق المعرفي)، وعلى مساعدة المتعلم لاستيعاب المادة العلمية المقدمة في الدرس؛ إذ يستطيع أن يوضح ويفسر ويطبق ما يتعلمه، وتكون لديه وجهة نظر حولها، ولديه قدرة على المشاركة الوجدانية مع الآخرين ومعرفة لذاته.
وهنا سوف نبين تفاصيل كل مرحلة من هذه المراحل:
1. المرحلة الأولى: التقويم القبلي للمفهوم
في هذه المرحلة يتم إعادة النظر والتأمل في الأفكار العلمية المرتبطة بالمفهوم المراد تدريسه، وذلك بهدف تقييم الحالة المعرفية السابقة عن هذا المفهوم، ومن ثم تصحيح أي خطأ أو سوء فهم مرتبط بهذا المفهوم.
والأساس النظري الذي تنطلق منه هذه المرحلة يتمثل في نظرية أوزبل، وهي أن معلومات المتعلم السابقة عامل مهم في تحديد ما يتعلمه الفرد في موقف معين (الخليلي وآخرون، 1996). كما تنطلق من أحد مبادئ التفكير فوق المعرفي، وهي لابد أن يتم تعلم المادة الدراسية الجديدة بشكل مرتبط بالمعرفة السابقة للمتعلم وبمفاهيمه القبلية (جابر، 1999، ص331).
2. المرحلة الثانية: استكشاف المفهوم
في هذه المرحلة يُعطى للطلبة الفرصة لاكتشاف الظواهر ذات الصلة بالمفهوم المراد دراسته، وذلك بعد استثارة تفكيرهم بعدد من الأساليب المستخدمة للتحفيز على التعلم. وتكون الأنشطة الاستكشافية جماعية تعاونية بين الطلاب، بحيث تتم وفق خطة معينة يقوم الطلاب بتخطيطها وتنفيذها بأنفسهم، وبمساعدة عدد من التساؤلات الذاتية التي يطرحها الطلبة على أنفسهم قبل التعلم.
والبناء المفاهيمي الذي تنطلق منه هذه المرحلة هو افتراضات البنائية، إذ إن التعلم عملية نشطة يبذل المتعلم فيها جهداً عقلياً للوصول إلى اكتشاف المعرفة بنفسه. وهذا ما تحققه مهارات التفكير فوق المعرفي، والتي تنمي لدى المتعلم القدرة على التخطيط الجيد لما يقوم به من أعمال وأنشطة. (يمكنك قراءة المزيد حول استراتيجيات التدريس الحديثة في مدونتنا).
ودور المعلم في هذه المرحلة يقتصر على التوجيه والإرشاد لمجموعات الطلبة وبشكل غير مباشر، وذلك خلال التخطيط والتنفيذ والتقييم للأنشطة التي يقومون بها، مع التأكد من مدى قدراتهم على ممارسة التفكير فوق المعرفي.
3. المرحلة الثالثة: تقديم المفهوم
تركز هذه المرحلة على عرض المفاهيم والمهارات والعمليات العلمية والنتائج التي توصلت إليها كل مجموعة من الطلبة ومناقشتها مع المعلم. وفي خلال ذلك يقدم المفهوم الأساسي للدرس، إذ يطلب المعلم من إحدى مجموعات الطلبة تقديم خطة النشاط التي قاموا بتنفيذها والنتائج التي توصلوا إليها، ثم توجّه مجموعة أخرى من الطلبة للتأمل والتفكر في أفكار زملائهم وإعادة صياغة هذه الأفكار والنتائج بلغتهم الخاصة، مع مراعاة تسمية السلوكيات التي قاموا بها بمصطلحات علمية دقيقة.
كما أن أحد أهم مبادئ التفكير فوق المعرفي هو التأكيد على أهمية قيام المتعلمين بالتفكير بصوت عال، وذلك في خلال إتاحة الفرصة لهم للمناقشة بعضهم مع بعض أو مع المعلم مما يساعد على التغذية الراجعة وإعادة النظر في التفكير (جابر، 1999، ص331).
4. المرحلة الرابعة: تطبيق المفهوم
في هذه المرحلة يُعطى الطلبة الفرصة لتطبيق ما تعلموه في المراحل السابقة على أنشطة ومواقف جديدة لتوسيع المفاهيم والعمليات والمهارات وتوضيحها. كما يعيد الطلبة فيها وضع أفكارهم العلمية المتعلقة بالمفهوم.
وتبرز أهمية هذه المرحلة في خلال أن التطبيق يؤدي إلى تأكيد ما تم تعلمه، وبخاصة إذا ما ارتبط هذا التطبيق بمهام حقيقية تتصل بحياة المتعلم فيكون بذلك للتعلم قيمة لديه (زيتون، 2004، ص266).
5. المرحلة الخامسة: التقويم البعدي للمفهوم
تهدف المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التقييم البعدي للمفهوم إلى إتاحة الفرصة للطلبة بإعادة النظر والتأمل في أفكارهم العلمية المرتبطة بالمفهوم الذي تم تدريسه في المراحل السابقة. وكذلك مساعدة الطلبة على تقييم ما قاموا به من أنشطة استكشافية وتطبيقية ومعرفة مدى استيعابهم للطريقة التي تعلموا بها (الخليلي وآخرون، 1996، ص157).
مزايا استخدام أنموذج التفكير فوق المعرفي في التدريس
بينت (الرويثي، 2009) أن هناك عدداً من المزايا والنتائج التي يمكن تحقيقها في حال استخدام أنموذج التفكير فوق المعرفي في التدريس، وتتمثل هذه المزايا فيما يلي:
- المراحل الخمس للتفكير فوق المعرفي تساعد على إيجاد جسر يربط بين ما تم تدريسه نظرياً من مفاهيم، وما يجري اكتشافه بالخبرات والأنشطة.
- تساعد على فهم عميق للمواد المتعلمة، وبالتالي استيعاب للمفاهيم المكتسبة بجميع جوانب الفهم وتفسيرها.
- تساعد الطلبة على اكتساب مجموعة من المهارات اللازمة لأدائه للأنشطة التعليمية ومتابعة تعلمه بشكل منظم ومخطط له.
- مرحلة التقويم القبلي للمفهوم قبل التعلم تساعد على بناء جسر بين المعرفة الجديدة والمعرفة الموجودة لدى المتعلم، وتقييم التصورات الخاطئة للمفاهيم ومن ثم تعديلها.
- مرحلة التقييم البعدي للمفهوم (بعد التعلم) تساعد على الحكم على مدى تحقق الأهداف التدريسية بصورة شاملة.
- تشجيع الطلبة على التأمل والتدبر وإعادة النظر في كل ما يفكروا فيه أو يقوموا به من أعمال، وكذلك على التعاون والعمل الجماعي.
الخرائط الذهنية
تعد الخريطة الذهنية من أدوات التفكير البصري، وهي تمثل لغة بصرية مشتركة لكل من المعلم والمتعلم. وهي أسلوب جديد لتنظيم المعلومات، يقوم على استخدام خرائط تنتظم في خلالها الأفكار المهمة لأي موضوع يتم دراسته بحيث تيسر على التلميذ استرجاعها وتفسيرها وتحليلها (خليل، 2010، ص63).
يعتقد (Buzan, 1995) بأنها تمثيلات تخطيطية للارتباطات بين المفاهيم والأفكار، والتي تتعلق بموضوع مركزي واحد. والخريطة الذهنية يمكن وصفها أيضاً بأنها تقنية بصرية تقدم المعارف والأفكار والمفاهيم والعلاقات فيما بينها في بنية الفرد العقلية بشكل ثنائي الأبعاد (Evrekli, et al, 2010, P.2330).
ومن الشائع تسميتها بـ الخريطة الذهنية (Mind Map). وتتميز بأنها تتكون من بؤرة مركزية أو صورة تخطيطية توضع في مركز الصفحة، لكي تسمح للأفكار بالتدفق بحرية وبدون تحكم. كما أن الكلمات المفتاحية تستخدم لتقديم الأفكار، إذ توضع كلمة مفتاحية واحدة لكل خط من الخطوط التي تتصل بالبؤرة المركزية. أما الألوان فتستخدم لتأكيد الأفكار وإبرازها، كذلك تعمل الصورة والرموز على إبراز الأفكار وتحفيز تكوين العلاقات (Chen, 2010, P.11).
قوانين الخرائط الذهنية
تستهدف الخريطة الذهنية زيادة الحرية العقلية وعدم الخلط بين النظام والجمود. والحرية العقلية هي القدرة على تكوين النظام من الفوضى. والقوانين مقسمة إلى قوانين خاصة بالتقنيات وقوانين خاصة بالإطار الخارجي أو الأشكال، كما مبين في أدناه:
- التقنيات: استخدام أسلوب تسليط الضوء والتأكيد على استخدام صورة مركزية دائماً، واستخدام الصورة على مدى الخريطة، واستخدام ثلاثة ألوان أو أكثر في الصورة المركزية.
- استخدام التداعيات: استخدام الأسهم عند الرغبة في عمل روابط داخل وعبر نمط التفرع، واستخدام الألوان، واستخدام الشفرات.
- توخي الوضوح: استخدام كلمة مفتاحية واحدة في السطر الواحد، وطباعة كل الكلمات، وربط الفروع الكبرى بالصورة المركزية، ووضع إطار للحدود الخارجية لشبكة الفروع.
خطوات رسم الخريطة الذهنية
يذكر (بوزان 2009) أن هناك سبع خطوات لرسم الخريطة الذهنية، وهي:
- البدء في منتصف صفحة بيضاء مطوية الجوانب، ذلك أن المبدأ من المنتصف يعطي المخ الحرية في الانتشار في جميع الاتجاهات.
- استخدام شكل أو صورة للتعبير عن الفكرة الجوهرية والمركزية، إذ أن الصورة أفضل من ألف كلمة وتساعد على استخدام الخيال.
- استخدام الألوان في خلال رسم الخريطة، لأن الألوان تثير المخ مثل الصور.
- وصل الفروع الرئيسة بالصورة المركزية، ووصل المستوى الثاني والثالث من الفروع بالمستويين الأول والثاني.
- اجعل الفروع تأخذ وضعاً متعرجاً ومتموجاً وليست على شكل خطوط مستقيمة، لأن الفروع المتعرجة كفروع الأشجار تكون أكثر جاذبية.
- استخدام كلمة رئيسة واحدة في كل سطر، لأن الكلمة المفردة تمنح الخريطة الذهنية القوة والمرونة.
- استخدام صور عند رسم كل فرع، لأن كل صورة شأنها شأن الصورة المركزية، وبالتالي كل صورة أفضل من ألف كلمة.
مميزات التعلم بالخريطة الذهنية
يحدد التربويون والباحثون مميزات التعلم بواسطة الخريطة الذهنية منها:
- تعمل بشكل فوري على إشاعة روح التشويق لدى الطالب، وبالتالي يصبح أكثر تعاوناً لتلقي المعرفة في الصف.
- تعمل على جعل الدروس أكثر تلقائية ومرونة وقابلة للتكيف مع الدرس.
- تساعد الطالب في الحصول على درجات أفضل في أدائه للاختبارات.
- لا تقتصر على إظهار الحقائق وبيانها كما هو الحال في النصوص الخطية، وإنما تبين العلاقات بين تلك الحقائق، وبالتالي تحقق فهماً عميقاً لدى الطالب.
- تقلل كمية المحاضرات الخطية التي يدونها الطالب.
- الخريطة الذهنية مهمة للطلبة الذين يعانون من صعوبات التعلم كالصعوبة في القراءة والكتابة.
- تعمل خرائط الذهن على مساعدة المتعلمين على تمثيل المعرفة مفاهيمياً.
الربط بين التفكير فوق المعرفي والخرائط الذهنية
من خلال قراءة الأدبيات والدراسات اتضح أن هناك روابط ما بين كل من التفكير فوق المعرفي والخرائط الذهنية في عدد من المتغيرات، منها:
- التفكير: إن التركيز على مهارات التفكير فوق المعرفي ذات أهمية كبيرة في عملية التدريس، فهي عمليات ضبط عليا تستخدم لتنظيم أداء الطلاب ونشاطاتهم العقلية والسيطرة عليها في خلال قيامه بمهمة معينة. وهي تشمل على مهارات رئيسة وهي (التخطيط، المراقبة، والضبط والتقييم). أما الخرائط الذهنية فهي أداة تفكير تنظيمية نهائية، وهي أسهل طريقة لإدخال المعلومات للدماغ.
- التعلم ذو المعنى: فالفرد الذي يمتلك تفكير فوق المعرفي تكون استجاباته ذات معنى تجاه المهام التي يقوم بأدائها. كما أن الخريطة الذهنية تعبر عن البيئة المعرفية للفرد من حيث مكوناتها والعلاقات بين هذه المكونات.
- التعلم الذاتي: إن وعي المتعلم بالتفكير فوق المعرفي والقدرة على إدارتها واستخدامها في مواقف الحياة المختلفة تجعله قادراً على التعلم الذاتي. وإن الخرائط الذهنية تسمح للعقل بالتفكير في اتجاهات متعددة، وهذا يفتح المجال لمزيد من الأفكار. (اقرأ أيضاً عن التنمية المهنية والتدريب للمعلمين).
الخلاصة: من خلال ما سبق يتضح أنه هنالك علاقة وثيقة بين التفكير فوق المعرفي والخرائط الذهنية، فكلا المتغيرين يعتمدان على مدى تراكم المعرفة في ذهن المتعلمين، وعلى قدرة المعلم على تصميم مواقف تعليمية نشطة.
التعليقات
إضافة تعليق