التدريس التأملي: مدخل للتنمية المهنية
نشأة التدريس التأملي وتطوره
يُعد جون ديوي أول من استخدم مصطلح التأمل، ليشير به إلى التبصر الدقيق للأعمال، والذي يتطلب تحليل وتقويم كافة الإجراءات والقرارات والنتائج. وميز بين نوعين من التدريس: الأول التقليدي ويعتمد فيه المعلم على حل المشكلات التي تواجهه في النظام المدرسي بشكل عشوائي. والثاني هو التأملي ويتميز أتباعه من المعلمين بامتلاكهم بدائل كثيرة للتغلب على المواقف الصعبة التي تواجههم أثناء عملية التدريس.
وفي عام (1987) ظهر مفهوم الممارسات التأملية في التدريس، باعتبارها عملية نقدية لتهذيب حرفة الفرد في مجال محدد. وأخذ هذا المفهوم يتنامى بشكل واسع حيث تم دمجه ضمن برامج إعداد المعلمين، انطلاقاً من فلسفة جون ديوي في تهذيب الممارسات التدريسية.
ماهية وفلسفة التدريس التأملي
المعلم هو الركيزة الأساسية في العملية التعليمية، وعليه يقع العبء الأكبر في تشكيل خبرات المتعلمين، على نحو يمكنهم من مواجهة التغيرات الراهنة والمستقبلية. فهو المحرك الرئيس لجوانب العملية التعليمية الفاعلة، وفي الوقت ذاته هو الموجه الفكري والعملي لعملية التعلم، ولذا فإن إصلاح التعليم يتوقف على إصلاح المعلم. إذ لا يمكن لفاعلية النظام التعليمي أن تتحقق دون صلاحية المعلم ومقدرته على الأداء المتميز.
ومن هذا المنطلق لم يعد التدريس مجرد إجراءات روتينية يقوم بها المعلم، بل أصبح جهداً واعياً مقصوداً له أبعاد متعددة. وأصبحت الممارسة التأملية من المداخل المثالية لإعداد المعلم، على عكس نماذج الإعداد التقليدية. إذ تتطلب من المعلمين تطوير أنفسهم، لأنهم يحللون ممارستهم ويقيمونها ذاتياً، ويبدؤون التغيير ويراقبون جودة هذا التغيير. حيث تأخذ الممارسة التأملية في الحسبان الخبرات الماضية والمعرفة الشخصية العملية للمعلمين، وتتيح لهم الفرصة لتطبيقها في ممارستهم التدريسية، في أنشطة تشجع على الابتكار.
وبالتالي يتحول المعلمون في (التدريس التأملي) إلى صناع قرار، ويفكرون فيما يقومون به في الصف في تدبر، متأملين تحديات دورهم، وكيف يربطون بأنفسهم بين النظرية والتطبيق.
وينطلق (التدريس التأملي) من فلسفة مؤداها أن التدريس عملية معقدة متعددة الأبعاد، وأن المعلم يمكن أن يكون مصنوعاً وليس بالضرورة مطبوعاً. وأن كثيراً مما يحدث في التدريس وفي مواقف البيئة الصفية لا يمكن التنبؤ به، وأنه غالباً ما يكون المعلمون على غير وعي كاف بنوعية وجودة ما يقومون به من تدريس، وكيف يصيغون قراراتهم التربوية والإدارية الصفية.
فالغرض من الممارسة التأملية هو تغيير إجراءات المعلمين وقراراتهم وكيفية تأثير ذلك على نتائج هذه القرارات. وبالتالي فإن قيمة التفكير تكمن في قدرته على صقل الممارسة الصفية وتحسين نوعية عمليتي التعليم والتعلم للمعلمين وطلابهم.
تعريف التدريس التأملي
يُعرف التدريس التأملي بأنه الفعل أو الإجراء الذي يتم خلاله العودة إلى الخبرات الماضية، بهدف تعديل الاعتقادات والأفكار المرتكزة في بنية الفرد المرتبطة بموضوع ما وإصلاحها وتحقيق الاهتمام والفهم العميق.
فهو استراتيجية أو طريقة فعالة يستطيع المعلم من خلالها التعرف على أوجه القصور في أداء أو فهم كل طالب. ومعرفة الكيفية التي يتم خلالها تعليمهم بطريقة أفضل، وتحديد أسلوب تعلم مناسب لكل منهم.
ومن خلال (التدريس التأملي) يفكر المعلم فيما يحدث في دروس الصف الدراسي والوسائل البديلة لتحقيق الأهداف، بما يوفر وسيلة تقدم فرصاً للمتعلمين في أحداث التدريس بطريقة تحليلية موضوعية.
وإجرائياً يمكن أن يكون (التدريس التأملي) عملية إجرائية تعتمد على التحليل والنقد التي يستعملها المعلم فيما يقوم به من إجراءات لتخطيط الدرس وتنفيذه وتقويمه. قبل القيام به لاتخاذ القرارات، وفي أثناء القيام به، وبعد الانتهاء منه لتقويمه واتخاذ قرارات بالتغيير أو الإبقاء على تلك الإجراءات باستخدام مجموعة من الآليات منها المذكرات التأملية، وملاحظة الأقران، وملف الإنجاز.
أهمية التدريس التأملي
تتلخص أهمية (التدريس التأملي) في الآتي:
- يمكن المعلمين من تحليل ممارساتهم ومناقشتها وتقويمها وتغييرها.
- يتبنى مدخلاً تحليلياً تجاه التدريس ويقوي تقديرهم للسياق الاجتماعي والسياسي الذي يعملون فيه.
- يزيد من إدراكهم أن التدريس مرتبط سياسياً واجتماعياً، وأن مهمتهم تقدير السياق وتحليله.
- يمكنهم من تقدير القضايا الأخلاقية والأدبية الضمنية في ممارسات غرفة الصف.
- يشجعهم على تحمل مسؤولية أكبر لنموهم المهني واكتساب درجة من الاستقلالية المهنية.
- يسر تطوير المعلمين لنظرياتهم التدريسية والممارسات التربوية وفهم وتطوير أسس عملهم في الصف الدراسي.
- يمكنهم من التأثير في الاتجاهات المستقبلية في التعليم واتخاذ دور نشط في صنع القرارات التعليمية.
- يُسهم في تحقيق (التنمية المهنية الذاتية) حيث تتطلب ممارسة التدريس التأملي فحصاً مستمراً للمعتقدات والممارسة ومنشأها وأثرها على المعلم والطلاب وعملية التعلم.
أنماط التأمل ومستوياته في التدريس التأملي
ذُكرت ثلاثة أنماط من السلوك التأملي، هي:
1. التأمل الوصفي
حيث يقوم الفرد بوصف الموضوع الذي يتأمله ويفكر فيه، ويعني بالإجابة على السؤال (ماذا يحدث؟). إلا أن عملية التأمل لا تكتفي بسرد الحقائق والوقائع كما هي، بل تهتم بتحري الأوصاف المهمة وذات المغزى، لمعرفة الخصائص الأساسية للموقف أو الحالة التي نتأمل فيها.
2. التأمل المقارن
ويقوم الفرد بمقارنة عدد من التفسيرات للموضوع من منظورات مختلفة، وفائدة المقارنة هنا أنها تفتح المجال لاحتمالات متعددة من مصادر شتى. فينظر للموضوع من وجهة نظر المعلم أو ولي الأمر أو المرشد الطلابي أو مدير المدرسة أو الطلاب أنفسهم. فالتأمل المقارن يسعى إلى البحث عن آراء أخرى لتنوير آرائنا المحدودة أو تأكيدها أو دحضها.
3. التأمل التقويمي
ويسعى المتأمل لإعطاء أحكام، فينظر المعلم للموضوع في ضوء التفسيرات الأخرى، واضعاً في اعتباره تغييره إلى الأحسن بحيث يصبح السؤال المطروح بعد هذا: ما هو (السبيل الأفضل لأداء هذا العمل؟).
نماذج التأمل في التدريس التأملي
هنالك عدة نماذج للتأمل، من بينها:
- نموذج جرينواي: وهو نموذج بسيط يقوم على ثلاث مراحل تبدأ بالتخطيط ثم التنفيذ ثم المراجعة (التقويم).
- نموذج بود: يرى أن التأمل يتم في ثلاث مراحل هي: استعادة الخبرة (ملاحظة الحدث كما تم بالضبط)، واستحضار المشاعر (العمل مع الاستجابات الانفعالية)، ومرحلة التقويم (تتكون من أربعة جوانب: الربط، التكامل، الصلاحية، والملاءمة).
- نموذج رولف: وضع إطاراً للممارسة التأملية يتضمن الإجابة عن ثلاثة أسئلة: (ماذا؟) يصف الموقف، (وماذا إذن؟) نظرية وبناء المعرفة، (وماذا الآن؟) كيف تحسن الموقف.
أنشطة التدريس التأملي وأساليبه
اعتماداً على ما تم طرحه، فإن التدريس التأملي يعني الفحص الناقد للممارسات التدريسية من منظور شخص المعلم نفسه، ومن منظور الآخرين. ويتضمن تفكيراً دقيقاً واعياً للاختيارات التدريسية التي يقوم بها المعلم أثناء التخطيط للتدريس، وتقييم تأثير هذه الاختيارات على تعليم الطلاب. ويعتمد نجاح التدريس التأملي بشكل أساسي على البيانات التي يحصل عليها المعلم حول عمليات التدريس، ولكي يستطيع المعلم الحصول على بيانات جيدة تتوافر فيها معايير الصدق، ينبغي استخدام عدة أنشطة ووسائل، من أهمها:
- المناقشة التأملية: يطلب من المتعلمين تحليل كيفية أدائهم للمهام، والتفكير فيما يمكن أن يساعدهم ليكونوا أكثر فاعلية في أداء المهام اللاحقة.
- الأسئلة التأملية: تُدعو المتعلمين للتأمل في أفعالهم من خلال استخدام التلميحات (مثل: ما الذي قمت بعمله؟ ماذا لو بدأت بـ...؟).
- العمل في مجموعات تعاونية: تتيح الفرص للمتعلمين للتفاعل وتبادل الأفكار والتفكير الجماعي.
- التدريس المصغر: يقوم على تقليل تشابك الموقف التعليمي، واختصار زمنه وتقليل عدد المتدربين، وتجزئة المهارات المركبة.
- الصور والتسجيلات المرئية والمسموعة: تقدم أدلة لاستخدام المعلم للتدريس التأملي مع الطلاب.
- بحوث الفعل: يقوم المعلم بدور الباحث؛ حيث يدرس مشكلة ظهرت أمامه أثناء التدريس.
- التقارير الذاتية: يشير فيها المعلم إلى الممارسات التي استخدمها في درس ما، وكيف وظفها.
- يوميات المعلم: المذكرات التي يكتبها المعلم بشكل يومي عن عمليات التدريس، وتساعده في لمس عملية تطويره الذاتي.
- قوائم المراجعة: تتضمن عبارات عما ينبغي أن يقوم به المعلم، ويستخدمها بعد الانتهاء من التدريس.
- تحليل المستندات: مثل الخطط الدراسية وخطط التطوير.
وفي الحقيقة، فإن وسائل وأنشطة الممارسات التأملية في التدريس متعددة، ولا تقتصر على ما سبق ذكره، فمنها أيضاً دراسات الحالة، والاستبانات، وبطاقات الملاحظة، والمحادثات التأملية، وملفات الإنجاز، وملاحظة الأقران، واستطلاعات الرأي، وتقييم الفيديو.
المصادر والمراجع
- هالة طه بخش (2003): فاعلية نموذج مقترح للتدريس التأملي في تطوير التربية العملية بكليات التربية بالمملكة العربية السعودية. الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس، العدد 90.
- أمل السيد خلف (2009): التدريس المصغر التأملي كوسيلة لتنمية بعض المهارات التدريسية لدى الطالبة المعلمة. دراسات الطفولة، يوليو 2009.
- كوثر جميل سالم (2010): مدى إتقان معلمي العلوم لممارسات التدريس التأملي وعلاقته بمستوى الكفاءة التدريسية لديهم. الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية.
- هدى صلاح الدين حسين (2011): برنامج قائم على التدريس التأملي لتنمية مهارات تدريس القراءة الناقدة لدى الطالبات معلمات اللغة الإنجليزية. مجلة البحث العلمي في التربية، العدد 12.
- زهور جبار راضي (2013): أثر أنموذج التدريس التأملي لتطوير مهارات معلم التربية الفنية الجامعي. مجلة كلية التربية الأساسية، م 19 ع 80.
- Navaneedhan, C. girija, (2010). Reflective teaching pedagogy as innovative approach in teacher education through open and distance learning. Journal of Media and Communication Studies Vol. 3(12).
- Ogonor, B O. & Badmus, M. M. (2006). Reflective Teaching Practice among Student Teachers: The Case in a Tertiary Institution in Nigeria. Australian Journal of Teacher Education: Vol. 31: Iss. 2.
- Richards, J.C. (2008). Second language teacher education today. RELC Journal, 39 (2), 158-177.
- Gimenez, Telma, (1999). Reflective teaching and teacher education contributions from teacher training. Linguagem & Ensino. Vol. 2, No. 2, 129-143.
- Pollard, A. (2002). Reading for Reflective Teaching. Continuum: London, New York.
هل استفدت من هذا المقال عن التدريس التأملي وأهميته وأنشطته؟ شاركنا رأيك في التعليقات، ولا تنسَ مشاركته مع زملائك المعلمين والمهتمين بالتنمية المهنية!
التعليقات
إضافة تعليق