استراتيجيات ما وراء المعرفة بين النظرية والتطبيق
استراتيجيات ما وراء المعرفة
قد حظي التطبيق التربوي لنظرية ما وراء المعرفة في الآونة الأخيرة اهتمامًا كبيرًا باعتبارها طريقة جديدة في تعليم التفكير. إذ إن الكثير من الباحثين في المجال التربوي أكدوا على أهمية استخدام استراتيجيات ما وراء المعرفة ضمن إطار التعليم لما لها فائدة كبيرة في تحرير طاقات المتعلمين الفكرية.
إن استراتيجيات ما وراء المعرفة على أنها سلوكيات تُستخدم لترتيب وتقييم عملية التعلم مثل الانتباه والتحكم الذاتي (Henson & Eeller, 1999: 132). وقد أشار (الدمرداش، 2002) لاستراتيجيات ما وراء المعرفة بأنها أساليب وإجراءات يتبعها المتعلم لكي تمكنه من التحكم في بيئته المعرفية وتنسيق عملية التعليم لمزيد من التعلم والاستفادة مما تعلمه في مواقف جديدة (الدمرداش، 2003: 110).
وقد تبين أن استراتيجيات ما وراء المعرفة بأنها استراتيجيات تسمح للمتعلم أن يتحكم في عملية معرفته عن طريق ربط عملية التعلم بوظائف مثل التركيز والتنظيم والتخطيط.
كما قُسمت استراتيجيات ما وراء المعرفة إلى المجموعات الثلاث الآتية:
أ - تركيز عملية التعلم
عندما يتلقى المتعلم المعلومات فإنه يتلقى العديد منها في وقت واحد، ولهذا فمن الممكن أن يفقد المتعلم انتباهه بين الحين والآخر نتيجة هذا الكم الهائل من المعلومات المقدمة إليه، ويبدأ هنا دور استراتيجيات التعلم في تركيز انتباه المتعلم نحو ما يتلقاه، ويكون ذلك عن طريق ربط ما هو جديد بما هو معروف من قبل.
ب - التنظيم والتخطيط للتعلم
الهدف من هذه الاستراتيجيات تنظيم المعلومات التي يتلقاها المتعلم، وتخطيط عملية التفاعل معه وتعني وضع جداول يومية أو أسبوعية أو غير ذلك للمذاكرة وتحديد الأهداف العامة والخاصة. والتخطيط للقيام بالمهمة فيعد المتعلم العناصر اللازمة للقيام بها حتى يمكن توفير ما ينقصه لأداء المهمة بنجاح.
ج - تقويم التعلم
إن أفضل سبيل لتقويم عملية التعلم هو المراقبة الذاتية. فحينما يتابع المتعلم أداءه من حيث مقدار تحصيله ومميزاته وعيوبه، سواء أكان هذا الأداء على مستوى استقبال المعلومات أم على مستوى إنتاج المعلومات، أو اتباع التقويم الذاتي فينبغي عليه أن يتبع مراقبة أدائه ويقارن بين هذا الأداء وأدائه السابق في الأوقات الزمنية المختلفة (ربيكا، 1996: 114).
ومن خلال العرض السابق أن محور الاهتمام في استراتيجيات ما وراء المعرفة يرتبط بكيفية جعل المتعلم يفكر بنفسه في حل المشكلات بدلًا من إلقاء المعلومات والحقائق عليه ليقوم هو بحفظها واستظهارها.
الأهمية التربوية لاستراتيجيات ما وراء المعرفة
إن لاستراتيجيات ما وراء المعرفة أهمية تربوية تتلخص بما يأتي:
- تحسين اكتساب المتعلمين لعمليات التعلم المختلفة.
- الاهتمام بقدرة المتعلم على أن يخطط ويراقب ويقوّم تعلمه الخاص.
- الانتقال بالطلبة من مستوى التعلم الكمي والعددي إلى مستوى التعلم النوعي.
- تطوير التفكير لدى المتعلم باعتباره محور العملية التعليمية.
- تساعد المتعلم على القيام بدور إيجابي أثناء مشاركته بعملية التعليم.
- تجعل المتعلم قادرًا على مواجهة الصعوبات أثناء التعلم وإعادة النظر في الأساليب والنشاطات الذهنية التي يستخدمها.
- تحول المتعلم إلى خبير، أي يفهم تفكيره ويشرحه.
- زيادة تحكم المتعلم فيما اكتسبه من معارف وتوليد أفكار جديدة وإبداعية.
- زيادة كفاية المتعلم في حل المشكلات.
- تعليم المتعلمين كيف يكونون مدركين أكثر لعمليات تعلمهم.
- تعمل على تنظيم العمليات المعرفية للحصول على التعلم الفعال (عبد السلام، 2006: 102-104).
فضلًا عما سبق ومن خلال بعض الأدبيات حول أهمية استراتيجيات ما وراء المعرفة (ربيكا، 1996)، (فيصل، 1997)، (وليم، 2000)، (منى، 2003) وُجد أن التربويين أجمعوا على أن استخدام استراتيجيات ما وراء المعرفة في مواقف التعلم تعمل على توفير بيئة تعليمية تسهم في تنمية التفكير، فهي تساعد المتعلم على:
- أن يكون أكثر وعيًا بعمليات التفكير مما يزيد قدرته على فهم وتطبيق العمليات المعرفية في مواقف مشابهة.
- جمع المعلومات وتنظيمها ومتابعتها وتقييمها.
- التحكم في عملية التعلم والوعي بها وتحديد مدى التقدم نحو الهدف المنشود.
- الوعي بالمهمة والغرض من التعلم ومطالبه، والإجراءات التي تحقق هذه المطالب.
- أن يكون أكثر وعيًا بنفسه كمفكر.
مفهوم استراتيجية KWL التعليمية
هي استراتيجية قدمتها دونا أوغل (Donna Ogle) عام 1986 بهدف تنشيط عمليات التفكير قبل وأثناء وبعد دراسة الموضوع. وتعد هذه الاستراتيجية إحدى الوسائل المستخدمة لتنمية المعرفة السابقة لدى الفرد والتي تساهم في تعميق الفهم وفي متابعة عمليات التعلم وحل المشكلات (أماني، 2007: 35).
تُعد استراتيجية الجدول الذاتي المعروفة باسم (K.W.L) إحدى استراتيجيات ما وراء المعرفة، وقد أكد ذلك (إبراهيم، 2004)، (الهاشمي والدليمي، 2008) حيث أشاروا إلى عدد من استراتيجيات ما وراء المعرفة منها: استراتيجية KWL حيث أن [(K.W.L) (ماذا أعرف، ماذا أريد أن أتعلم، ماذا تعلمت)]، تنشيط المعرفة السابقة، التساؤل الذاتي، علاقات السؤال بالجواب، التفكير بصوت عالٍ، العصف الذهني، النمذجة، التدريس التبادلي، عمل الأشكال التوضيحية، خرائط الأشكال (V)، التلخيص، المنظمات المتقدمة، خرائط المفاهيم (الهاشمي والدليمي، 2008: 159) و(إبراهيم، 2004: 183-260).
وكذلك يؤكد (العليان، 2005) إلى أن استراتيجية KWL (ماذا أعرف؟ ماذا أريد أن أتعلم؟ ماذا تعلمت؟) هي استراتيجية تعلم تهدف إلى تنشيط معرفة الطلبة السابقة وجعلها نقطة انطلاق أو محور ارتكاز لربطها بالمعلومات الجديدة (العليان، 2005: 3-37).
وبيّن (Ncrel, 1995) أن استراتيجية (K.W.L) تساعد الطلبة على تنشيط المعرفة السابقة، إذ هي نموذج لتنشيط التفكير، وتدل الأحرف على:
- K (What I Know؟): وتعني مساعدة الطلبة بتذكر ما يعرفون حول الموضوع.
- W (What I Want to Know؟): وتعني مساعدة الطلبة كي يدركوا ما يريدون تعلمه.
- L (What I Learned؟): وتعني مساعدة الطلبة كي يميزوا ما الذي تعلموه (Ncrel, 1995: 1).
وقد أشار (رج، 1998) إلى أن استراتيجية KWL يُطلب فيها من المتعلم تحديد ثلاث مجموعات من الأشياء. هي:
الأولى: تحديد ما يعرفه بالفعل عن الموضوع، ويرمز لهذه المجموعة بالحرف K نسبة إلى (What I Know).
الثانية: تحديد ما يريد أن يعرفه عن الموضوع، ويرمز لهذه المجموعة بالحرف W نسبة إلى (What I Want to Know).
الثالثة: في النهاية يُطلب من المتعلم أن يحدد ما تعلمه بالفعل عن الموضوع، ويرمز لهذه بالحرف L نسبة إلى (What I Learned) (رج، 1998: 39).
وتؤكد هذه الاستراتيجية على نشاط المتعلم في تكوين المعنى من المعلومات، فالطالب ينظم المعلومات، فيميز بين الأنواع المختلفة من المعلومات المهمة في الدرس، ويمكن عمله كنشاط منزلي.
مزايا استخدام استراتيجية KWL التعليمية
تخدم هذه الاستراتيجية عدة أغراض منها:
- تساعد الطلبة على تذكر المعلومات السابقة عن الموضوع.
- تبين الغرض من المعلومات الواردة في الدرس عن الموضوع.
- تساعد الطلبة على متابعة الفهم.
- تساعد الطلبة على تقييم فهم الموضوع.
- تقدم فرصة لتوسيع نطاق أفكار الموضوع (Jennifer Conner, 2006: 1).
ومن المميزات التي أوردها (مجدي، 2005) حول استخدام استراتيجية KWL التعليمية ما يأتي:
- تعزيز فكرة التعلم التي تجعل المتعلم محور العملية التعليمية بدلًا من المعلم.
- تمكن المعلم من أن يتيح للمتعلمين معالجة أي موضوع مهما كانت درجة صعوبته، وذلك من خلال تنشيط معرفتهم السابقة.
- يمكن استخدامها في أي مستوى، وأي صف دراسي، بسبب قوة الأساس الذي تستند عليه.
- تمكن المتعلمين من تقييم وقيادة تعلمهم الخاص.
- تساهم في جذب اهتمام المتعلمين وإثارة فضولهم.
- تسهم في تحسين فهم الموضوع لدى الطلبة، وتجعل التعلم ذا معنى.
- تساعد في ربط المعلومات السابقة بالمعلومات الجديدة.
- يمكن تطبيقها في كل المستويات الدراسية (مجدي، 2005: 125).
خطوات تنفيذ استراتيجية KWL في التدريس
تمر الاستراتيجية بعدد من الخطوات المتسلسلة التي يجب السير بها ليسهل تطبيقها، وقد قامت الباحثة بوضع خطوات الاستراتيجية من خلال مراجعة عدد من المصادر التي ناقشت الخطوات التي تمر بها تطبيق الاستراتيجية، مثل: (العليان، 2005: 47-53)، (مجدي، 2005: 125-126)، (الهاشمي والدليمي، 2008: 160)، (الباري، 2010: 113).
وفيما يأتي ملخص لخطوات تنفيذ استراتيجية KWL:
- اختيار النص أو الموضوع المراد تدريسه.
- تهيئة أذهان المتعلمين للموضوع مع زيادة دافعتيهم وانتباههم للدرس من خلال المناقشة حول الموضوع.
- يفضل رسم جدول الاستراتيجية على السبورة كما في جدول التعلم KWL جدول (1).
- يرسم المتعلمون الجدول في الدفتر.
- يملأ الجزء الأول من الجدول من قبلهم ويمثل عما يعرفونه عن الموضوع من خلال المناقشة، ثم تسجيل الإجابات من قبل المعلم على السبورة. إذ تعد الخبرة السابقة هي الأساس الذي تنطلق منه المتعلم لبناء المعرفة الجديدة للتوجه نحو هدف التعلم.
- يوجه اهتمام المتعلمين إلى الجزء الثاني من الجدول الذي تحت عنوان ماذا أريد أن أتعلمه؟ بمساعدة المعلمة من خلال طرح أسئلة حول المطلوب معرفته عن الموضوع الجديد، يضعون أجوبة للأسئلة التي طرحت ويتم اختيار الصحيح منها، بذلك يكون المتعلم هنا منتجًا وليس مستهلكًا.
- في الجزء الثالث من الجدول يجيب المتعلمون على مجموعة أخرى من الأسئلة البحثية المالئة للثغرات المعرفية حول الموضوع، وتسجيل ما تعلمه عن الموضوع وبهذا تنتج الصورة النهائية للتعلم.
من أعلاه يجب تطبيق ذلك بمهارة من قبل المعلم ليحصل على فاعلية استراتيجية KWL في تدريس موضوعه.
جدول (1) مكونات فقرات المخطط الخاص باستراتيجية (K.W.L) التعليمية
| ماذا أعرف؟ | ماذا أريد أن أتعلمه؟ | ماذا تعلمت؟ |
|---|---|---|
|
- مناقشة الموضوع لتوضيح المعلومات والخبرات السابقة التي لها علاقة بالموضوع والتي سبق للمتعلمة أن درستها بهدف ربطها بالمعلومات الحالية. - إعادة صياغة للمعلومات. |
- وضع أسئلة لاستثارة أذهان الطالبات حول الموضوع. - تبادل الخبرات والمعلومات. |
- كتابة الحقائق التي تعلموها. - تسجيل الردود والإجابات السريعة. |
دور المعلم في تطبيق استراتيجية KWL التعليمية في التدريس
ذكرت (مارغريت، 2004) بعض أدوار المعلم التي لابد أن يراعيها عند تنفيذ الاستراتيجية، حتى تؤتي ثمارها بطريقة صحيحة أثناء مرحلة التطبيق وهي:
- توجيه المتعلمين نحو قراءة العنوان، ومن ثم سؤال أنفسهم السؤال التالي [ماذا أعرف عن الموضوع؟].
- متابعة زيادة عدد الأسئلة، وذلك بحساب الوقت الملائم لمقدار تنمية طلاقة المتعلمين.
- ضرورة تكرار الأسئلة مع المتعلمين أثناء استجاباتهم، حتى تثبت المعلومة.
- كتابة الأفكار في العمود الأول، مع ضرورة قبول أي فكرة لها علاقة بالموضوع، وإن كانت خاطئة.
- يبدأ المعلم بتوجيه المتعلمين بوضع الهدف لأنفسهم، وضرورة البدء بصياغة الأسئلة.
- يتم وضع علامة "√" بقرب الفكرة الصحيحة.
- بعد ذلك يتيح المعلم الفرصة للطلبة ما بين ثلاث إلى خمس دقائق يقوموا بملأ العمود الثالث من الجدول [ما الذي تعلمته عن الموضوع] ويمكن عمله كنشاط منزلي (مارغريت، 2004: 34-40).
استراتيجية KWL في الرياضيات
فيما يلي نموذج خطة تدريسية على وفق الاستراتيجية التعليمية (K.W.L) في مادة الرياضيات:
المادة: الرياضيات.
الصف: الأول المتوسط.
اليوم: ........... | التاريخ: ...........
الموضوع: الحدودية.
الوسائل التعليمية: السبورة، الأقلام الملونة.
الأهداف السلوكية: جعل الطالبة قادرة على أن:
- تُعرف الحدودية.
- تميز بين الحد الجبري والحدودية.
- تجمع حدوديات جبرية.
- تطرح حدوديات جبرية.
- تبسط حدوديات جبرية.
خطوات تنفيذ الدرس:
- عرض الموضوع.
- رسم جدول استراتيجية KWL على السبورة.
- ترسم الطالبات الجدول في الدفتر.
- يملأ الجزء الأول من الجدول الذي تحت عنوان (ماذا أعرف؟) من قبل الطالبات عما يعرفن عن الحدود الجبرية وكيفية جمعها وطرحها من خلال الإجابة عن الأمثلة الآتية: 7X²Y²، 6XY، -2abc²، -5xy، 3x²y².
- في الجزء الثاني من الجدول الذي هو تحت عنوان (ماذا أريد أن أتعلمه؟) تدون أجوبة الطالبات عن المثال حول:
- الفرق ما بين أمثلة الجزء الثاني والجزء الأول من الجدول.
- كيفية إيجاد ناتج جمع وطرح الحدودية مقارنة مع أمثلة الجزء الأول.
- كيفية تبسيط الحدود الجبرية مقارنة مع أمثلة الجزء الأول.
- تحديد الإجابة الصحيحة من بين الإجابات.
- الجزء الثالث من الجدول يملأ من قبل الطالبات من خلال إيجاد ناتج الحدوديات الآتية:
مثال: ضع المقدار xy² + 6ab + 3xy² – 9ab في أبسط صورة. - إعادة سريعة للدرس.
التقويم:
من (c² - 6z²c² + 8z³c) اطرح (c² + 7z²c² - 5cz³).
الواجب:
حل السؤال الأول من تمارين (6 - 2) ص 123.
هل استفدت من هذا المقال عن استراتيجيات ما وراء المعرفة واستراتيجية KWL التعليمية؟ شاركنا رأيك في التعليقات، ولا تنسَ مشاركته مع زملائك المعلمين والمهتمين بالشأن التربوي!
التعليقات
إضافة تعليق