التقويم الواقعي كاتجاه حديث لتقويم التعلم
تُعد العملية التقويمية — ألا وهي التقويم في التعليم أو التقويم الصفي الواقعي — من أهم أركان التعليم الصفي.
التقويم الصفي الواقعي
يُعد التقويم عملية منهجية تتطلب جمع بيانات موضوعية وصادقة من مصادر متعددة باستخدام أدوات متنوعة، في ضوء أهداف محددة، بغرض التوصل إلى تقديرات كمية وأدلة وصفية يستند إليها في إصدار أحكام، أو اتخاذ قرارات مناسبة. ولقد شهدت السنوات الأخيرة الماضية ثورة في مفهوم التقويم، إذ أصبح للتقويم أهدافًا متنوعة، واختلف دور المعلم اختلافًا كليًا عن دوره في الماضي. فعليه تقع مسؤولية كبيرة في نجاح العملية التعليمية ومواكبة المستجدات التربوية الحديثة، بما فيها ما يرتبط بالتقويم الواقعي، وأصبح من متطلبات عمل المعلم الحالي تخصيص جزء من علامة تقويم الطالب باستخدام استراتيجيات وأدوات التقويم الواقعي.
فمن المعروف أن تقدم الحضارات يُقاس بقوة النظام التربوي الذي تكون مخرجاته على درجة عالية من الجودة. ويُعد تقويم الطلبة من أهم مراحل العملية التعليمية وأكثرها ارتباطًا بالتطور التربوي.
إن جودة التعليم وتطوير مخرجاته الذي تسعى إليه الكثير من الأنظمة التربوية بفلسفاتها المختلفة، عن طريق التقويم، يشكل أداة قوية تتدفق عبر العلاقات المتشابكة المكوّنة لعناصر الجودة الشاملة. إذ إن الهدف الرئيس للتقييم هو ضمان جودة العملية التربوية ونواتجها.
التقويم ثقافة عظيمة الأهمية تساعد جودة أساليبه في اتخاذ قرارات موضوعية مبنية على أسس علمية. ويُعد التقويم أكبر قوة مؤثرة في تعلم الطلبة، وأحد العناصر المطلوبة لضمان الجودة وتحسين مستويات تعلم الطلبة. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال عملية إصلاح شاملة للتقويم.
إذ يُلاحظ في كثير من الأنظمة التعليمية أن التقويم ليس جزءًا من عملية التعليم والتعلم، بل هو منفصل عنها، ويأتي في الغالب بعد عملية التعليم، ولا يؤثر فيها، ويُختزل في الاختبارات كوسيلة رئيسية أو وحيدة لتقويم التحصيل. إذ اقترن مفهوم التقويم عند الغالبية من الناس بالاختبارات التي في الغالب تركز على استرجاع الحقائق والمعرفة الإجرائية، إضافة إلى أن الطالب لا يعلم نتيجة أدائه إلا بعد انتهاء عملية التعليم.
وبالتالي لا يكون بمقدوره إعادة تعلّم الكفاية التي دلت نتائج التقويم على عدم إتقانها. هذا عدا عن أن هذه الاختبارات غالبًا ما تكون مصدر ضغط نفسي، ولا تعمل على تطوير معايير لدى الطلبة. وتتعامل بنظام الدرجات الذي لا يعكس حقيقة معرفة الطالب، بالرغم من تأكيد بعض الباحثين على أنه عندما تُصمم مهمات التقويم بشكل تكاملي مع عمليات التعلم، فإن ذلك يعمل على تحسين التتابع الأكاديمي للطالب، كما وصف بعض الباحثين عملية التعليم والتقويم التقليدية بأنها "الطبشورة والكلام" أو "التعليم الأصم".
وحذر (بود) من أن التقويم الحالي الورقة والقلم غير كافٍ لتحضير الطلبة لتعلّم مدى الحياة، وأن الدافع لدى الطلبة ينصب في الحصول على العلامات، وأن التقويم ما زال يركز على تقويم التعلم وليس تقويمًا لأجل التعلم.
وتؤكد الاتجاهات الحديثة في التربية على أهمية الطالب كفرد، ونمو شخصيته وإعداده للحياة. فكل هذا يتطلب تقويمًا مستمرًا بالنسبة للعملية التعليمية وأهدافها. ولا بد للتقدم التكنولوجي من انعكاس دوره على التقويم كمكون من مكونات منظومة التعليم الماضية، فقد ظهرت الحاجة إلى إجراء تعديلات أساسية في التقويم التربوي عالميًا ومحليًا. إذ ظهر اتجاه قوي يرتكز على أهداف تربوية بُنيت على معايير عالية المستوى تتضمن الكفايات الهامة للحياة، ومنها التفكير الناقد والإبداعي، والقدرة على اتخاذ القرارات، وحل المشكلات، وإدارة الذات والوقت.
وتمثل ذلك في البحث عن أساليب بديلة للتقويم المقترن عند غالبية الناس بالاختبارات، يرتكز على تقويم أداء الطالب في سياق حقيقي يتناسب والأهداف ونواتج التعلم ذات العلاقة بالتعلم مدى الحياة. تقويم مبني على رؤية صحيحة يمكن من خلاله جمع شواهد تؤدي إلى أحكام صحيحة عند تحصيل الطالب، وبالتالي إلى تحسين عملية التعلم. وصاحب ذلك تركيز كبير من قِبَل التربويين وأصحاب القرار على أهمية إعادة النظر في أغراض وأدوات التقويم وربط التقويم بالحياة من خلال تبنّي أساليب التقويم الواقعي.
فالتقويم الواقعي
هو التقويم الذي يعكس أداء الطالب ويقيسه في مواقف حياتية، بحيث يجعل المتعلمين ينغمسون وينخرطون في مهمات ذات معنى بالنسبة لهم، فيبدو كنشاطات تعلّم وليست كاختبارات أو امتحانات.
من خلال الرجوع إلى أدبيات القياس والتقويم نجد أن المسميات التي تسترشد إلى هذا المصطلح متعددة، ومن أبرزها:
- التقويم القائم على الأداء.
- التقويم الطبيعي.
- التقويم الأصيل.
- التقويم البنائي.
ورغم الاختلاف في هذه المسميات إلا أنها جميعًا تؤكد على التغيير المبني على الأداء في تقويم نواتج التعليم والتعلم.
مجالات التقويم الواقعي — أشكال التقويم البديل
هناك ستة أشكال أو أنواع من التقويم البديل، وهي:
- التقويم الواقعي — Authentic Assessment
- تقويم الأداء — Performance Assessment
- ملف الأداء — Portfolio Assessment
- المعرض — Exhibition Assessment
- العرض — Demonstration Assessment
- تقويم ذاتي للطلبة — Student Self Assessment
خصائص التقويم الواقعي
ومن خصائص التقويم الواقعي بأنه:
- شمولي: أي عدم الاقتصار على قياس جانب واحد فقط من عمليتي التعلم والتعليم كقياس المعرفة، بل تعداه لقياس جوانب أخرى، كالاتجاهات والقيم السائدة في المجتمع، والمهارات المستمدة من نواتج تعليمية محددة.
- استمراري: التقويم عملية تسير جنبًا إلى جنب مع عملية التدريس.
- اقتصادي: أي يتم تقويم الطلبة بأقل كلفة مادية وبأقل جهد ووقت ممكنين.
- تعاوني: يفرض التقويم الجيد على كل من الطالب وولي الأمر والمشرف التربوي ومدير المدرسة أن يقوم كل منهم بدوره.
وتكون خصائص المهام الحقيقية التي تُستخدم في التقويم البديل، وهي أنها:
- واقعية.
- تتطلب الحكمة والتجديد.
- تحاكي المضمون الذي تختبر فيه أعمال الكبار، سواء كان ذلك في مكان العمل أو الحياة الشخصية.
- تقوم قدرة الطلبة على استخدام المعلومات والمهارات بفاعلية ومهارة للتعامل مع مهمة معقدة.
- تتيح فرصًا للتدريب والممارسة والحصول على التغذية الراجعة لما يمارسه من أعمال.
- تتطلب من الطالب العمل بدلًا من تسميع أو استرجاع ما تعلمه.
إن استراتيجيات التقويم الواقعي تشجع الاكتساب الحقيقي للمعلومة، وتعمل على استخدام وتفعيل مهارات التفكير التأملي. ولثلاثة عقود مضت دأب المعلمون ومطورو المناهج ومديرو البرامج التربوية على التعريف بإجراء مناسب لتقييم معرفة وقدرات الطلبة. إذ انبثق مصطلح التقويم الواقعي من الحاجة إلى هذه الإجراءات التي تسعى للوصول إلى تقويم يعكس تعلّم الطلبة وتحصيلهم ودافعيتهم واتجاهاتهم نحو أنشطة تعليمية.
مميزات التقويم الأصيل
مزايا التقويم الواقعي:
- يعمل على تحويل التقويم التقليدي المرتكز حول المعلم إلى تقويم يرتكز حول الطالب، وبذا يكون لكل من المعلم والطالب دور نشط. ويتمثل دور المعلم بالميسّر والمسهّل، في حين ينهمك الطلبة وأولياء الأمور بهذه العملية، حيث يتمكن المعلمون من ملاحظة أداء طلبتهم الفعلي والحقيقي.
- يستطيع المعلمون من اشتقاق المعلومات عن أداء طلبتهم مباشرة، نتيجة التفاعل والملاحظة للطلبة، تتصف طرق التقويم الواقعي بالمرونة.
- تتصف طرق التقويم الواقعي بالشمولية أو تُوصف بالطرق التامة لوصف إنجاز الطلبة وتحصيلهم؛ إذ إنها ليست لرصد نمو الطالب وتطوره فقط، بل إنها عملية تعمل بفعالية بين أنماط التعلم المختلفة والخلفيات الثقافية المختلفة في الصف الواحد. إذ بينت الدراسات أنه لا يوجد فروق ذات دلالة بين أداء الأقليات وغير الأقليات، أو ما يسمى بفجوة الأداء للأقل أثناء ممارسة التقويم الواقعي.
- أكثر قوة بالمقارنة مع التقويم التقليدي في رؤية نمو الطلبة عبر الزمن، بالإضافة إلى أن الطلبة أنفسهم قادرون على ملاحظة وتوثيق نموهم بأنفسهم، وأكثر قدرة على معرفة كفايتهم.
- للتقويم الواقعي اهتمامات ليس فقط بالمجال المعرفي، بل بالمجال غير المعرفي مثل المجال الانفعالي، كما له القدرة على تحسين المهارات الاجتماعية ومهارات التواصل لدى الطلبة.
- يحسن من إدراك الطلبة ومسؤوليتهم نحو المعرفة القبلية، وإن التنوع في استخدام أساليب التقويم البديل يشكل صورة تامة قوية عن تعلّم الطلبة.
- يتصف التقويم الواقعي بالشمولية أو الطرق التامة لوصف إنجاز الطلبة وتحصيلهم، وهو قادر على قياس الأعمال المركبة والمبدعة للطالب. كما أنه قادر على رؤية وملاحظة تفاصيل كثيرة وعميقة في أداء الطالب.
- يركز على المحتوى اللازم وأكثر عمقًا، ويقود الطلبة إلى تحديات وأسئلة سابرة. وبشكل عام تعمل الاختبارات التقليدية على زيادة مستوى القلق غير المرغوب عند الطلبة، ولا تعمل على تطوير معايير لدى الطلبة، ولا ينهمك الطلبة بتقويم ذاتي، بالإضافة إلى تعاملها مع نظام الدرجات والعلامات الذي لا يعكس حقيقة معرفة الطالب الفعلية حول الموضوع.
مساوئ التقويم الواقعي
على الرغم من المزايا السابقة للتقويم الواقعي إلا أنه لا يخلو من المساوئ مثل:
- يتضمن الأنشطة الملموسة والمحسوسة فقط.
- يميل إلى الأحكام الشخصية بالمقارنة مع معايير التقويم التقليدي.
- يفتقر إلى المعايير الموحدة والواضحة والموضوعية لإصدار الأحكام، مما يؤثر سلبًا في قضية العدالة في رصد العلامات.
- قد تتأثر دافعية الطلبة سلبًا بهذا النوع من التقويم.
مقالات ذات صلة قد تهمّك
اخترنا لك مجموعة من المقالات في البحث التربوي والأكاديمي تُثري تجربتك في القراءة:
- واقع وأبعاد البحث العلمي التربوي وأخلاقياته
- البحث التربوي: ماهيته ونشأته وفوائده
- الحاجة إلى البحث العلمي
- كيفية كتابة خطة البحث (الاوت لاين) للبحوث الأكاديمية
- مكونات عنوان البحث (مشكلة البحث وأهمية مشكلة البحث)
- أهداف البحث وفرضياته وحدوده
- الإطار النظري والدراسات السابقة وكيفية تصميم منهجية البحث
- استنتاجات البحث وتوصياته ومقترحاته، وتنسيق قائمة المراجع
التعليقات
إضافة تعليق