شريط الأخبار

التفكير فوق المعرفي (Metacognition): الوعي بالمعرفة

التفكير فوق المعرفي (Metacognition): الوعي بالمعرفة

التفكير في التفكير - التفكير فوق المعرفي
التفكير في التفكير 

يُعد التعلم عنصرًا أساسيًا في التربية، وهو المنطلق لفهم حقيقة العقل البشري. فالسلوك الإنساني في معظمه ناتج عن التعلم، ولا يكاد يخلو نشاط بشري من التعلم؛ فهو عملية أساسية في الحياة تمتد بامتدادها. ولم يتقدم أي مجتمع إنساني إلا بفضل التعلم. وتسعى نظريات التعلم المعرفية إلى تقليص دور الحفظ والتكرار، وإبراز دور الفهم من خلال استخدام الاستراتيجيات المعرفية.

ينظر التعلم المعرفي (المنظور المعرفي للتعلم) إلى الإنسان باعتباره كائنًا نشطًا وفعالًا وباحثًا عن المعرفة. ولذلك فهو إيجابي ويسعى إلى تطوير معلوماته. أما التفكير، فهو عبارة عن سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عند التعرض لمثير يتم استقباله عن طريق حاسة أو أكثر من الحواس الخمس. وهو مفهوم مجرد ينطوي على نشاطات غير مرئية وغير ملموسة. وما نلاحظه أو نلمسه هو في الواقع نواتج فعل التفكير، سواء أكانت بصورة مكتوبة، أم منطوقة، أم حركية، أم مرئية.

إن (البناء المعرفي للفرد) وخصائصه تؤثر على الاستراتيجيات التي يستخدمها. فقد وجدت الدراسات أن الفروق في تحصيل الطلبة ترجع في الأساس إلى خصائصهم، وإلى الاستراتيجيات التي يستخدمونها. ولذلك يمكن اعتبار الاستراتيجيات المعرفية نواتج لكل من البناء المعرفي للطلبة ومهارات ما وراء المعرفة.

إن الهدف الرئيس للتعلم المعرفي (نظرية البناء المعرفي) هو مساعدة المتعلمين على تجهيز المعلومات، بحيث يمتلكون القدرة على الاستقلال لتكوين استراتيجيات تعلم ذات معنى. وهذا يؤثر في النهاية على اختياراتهم وفي تنظيمهم واستقبالهم للمعلومات الجديدة. ويرى فلافيل أن استراتيجيات التعلم أساسية وضرورية لإحداث أي تقدم أو تطوير معرفي، إلى حد أن مهارات ما وراء المعرفة تستثير وتوجه وتؤثر على الاستراتيجيات المعرفية.

إن (مهارات التفكير ما وراء المعرفي) تنمو وتتطور خلال السنوات المدرسية المبكرة. فطلبة المرحلة الابتدائية يمتلكون القدرة على القيام بهذه المهارات. ولعل المعلم له الدور الأكبر في تطوير هذه المهارات من خلال تدريب المتعلمين على تبادل الأفكار عند أدائهم للمهمات، وعن طريق مراجعته لأدائهم وتقويمه. وغاية التعلم الفعال هي مساعدة المتعلمين على اكتساب مجموعة من المهارات لتطوير استراتيجيات تمكنهم من حل المشكلات التي تواجههم في حياتهم اليومية.

ومن هنا نجد العلاقة بين مهارات التفكير ما وراء المعرفة والتعلم الفعال. فمن أهداف التعلم الفعال تشجيع المتعلمين على المشاركة في وضع أهدافهم والسعي إلى تحقيقها، فضلًا عن زيادة قدراتهم على فهم المعرفة وبناء معنى لها. (يمكنك قراءة المزيد عن ما وراء المعرفة على ويكيبيديا).

المحور الأول: مهارات التفكير ما وراء المعرفي واستراتيجيات ما وراء المعرفة

إن نموذج التعلم والتعليم، أو ما يسمى بالمنحنى النمائي، يرتبط بالعالم بياجيه في تطوير التفكير المنطقي. فالعمليات العيانية التي تمتد من عمر سبع سنوات إلى الحادي عشر، يبدأ فيها الطفل بتطوير طرق تفكير تحل محل التفكير الخرافي والمحاولة والخطأ. فلكي يحدث النمو العقلي، على المعلم أن يزود المتعلم بخبرات وأنشطة رئيسية. إن فكرة المساهمة الفعالة في تكوين المفاهيم تنبع من استدخال الأفعال، وهذا ما سيتم الإشارة إليه بالتعلم الفعال في المحور الثاني.

أما باندورا فيرى أن (التفكير فوق المعرفي) هو عبارة عن تقييم لأنشطة المتعلم، يقوم بها بنفسه وبتصحيح تقييماته، ويبدأ باختيار الاستراتيجيات المناسبة له، التي تؤدي بالنهاية إلى حل المشكلات التي تواجهه (الريماي، 2003).

وفي هذا الصدد، يشير ليفنجستون إلى أن التفكير ما وراء المعرفي هو تفكير يتضمن عمليات تخطيط يقوم بها الفرد للمهمة، يعقبها عملية مراقبة واستيعاب للمهمة، ثم تليها عملية التقويم (Marzano, 1998). أما مارزانو فيرى أن التفكير ما وراء المعرفي هو عبارة عن إدراك الفرد لطبيعة تفكيره أثناء قيامه بالمهمات المطلوبة منه. وعادة ما يطلق عليها استراتيجيات التفكير التي تتضمن التخطيط والتنظيم الفردي للعمل المطلوب منه (Johnson, 1992).

وتعد مهارات التفكير بأنها عمليات معرفية إدراكية، وهي أساس للبنية التفكيرية. تستعمل مرارًا لتنفيذ المهمات بهدف الوصول إلى رؤية معرفية. لذلك يمكن اعتبار مهارات التفكير وتهيئة الفرص أمرًا في غاية الأهمية لتحقيق الأهداف التربوية (جروان، 1999).

ويوضح لنا جروان أن مهارات التفكير تركز على تعليم المتعلمين كيف ولماذا ينفذون مهارات واستراتيجيات عمليات التفكير الواضحة المعالم، كالتطبيق والتحليل والاستدلال. وهذه الاستراتيجيات تستخدم في حل مشكلات الحياة اليومية، كما تستخدم في العمل الأكاديمي.

ويشير أندرسون إلى أن (التفكير فوق المعرفي) يعين المراقبة بشكل مستمر خلال عمليات التفكير. وهي معرفة الفرد ووعيه بعمليات واستراتيجيات التفكير وقدرته على التقييم، أي كيف ولماذا يفعل الفرد ما يفعله؟ ومن ذلك يتضح أن التفكير ما وراء المعرفي يشتمل على مراقبة فعالة، يتبعها تنظيم وتنسيق لإجراء ما وراء المعرفة لتحقيق أهداف معرفية أو الحكم على ما إذا كان الفرد يعرف أو لا يعرف إنجاز المهمة.

أهمية التفكير ما وراء المعرفي

تكمن أهمية التفكير ما وراء المعرفي في أنه يمكن الفرد من إصدار أحكام مؤقتة، فضلًا عن استعداده للقيام بأنشطة أخرى. كما تساعد الفرد على ملاحظة القرارات التي يتخذها، وبذلك يجعل الفرد أكثر إدراكًا للمهمات التي يقوم بها. وعند ذاك يتحقق للفرد اتجاه لتوليد الأسئلة التي تدور في مخيلته عند بحثه للمعلومات، والتي تساعده في تكوين خرائط معرفية قبل القيام بالمهمة المطلوبة منه. وبعد ذلك ينتقل الفرد إلى مرحلة أخرى، ألا وهي التقييم الذاتي، والتي تعد من العمليات العقلية المهمة التي ترفع في النهاية من إنجاز الفرد وتحسن من أدائه.

لقد اختلف الباحثون في تحديد مكونات مهارات التفكير ما وراء المعرفي (مهارات ما وراء المعرفة). فهناك اتجاه يرى أن التنظيم الذاتي مرتبط باستراتيجيات ما وراء المعرفة المتعلقة بالمهمة، والتي يستخدمها المتعلم عندما يكون على علم بأنه يستطيع التحكم في أفعاله واتجاهاته واهتماماته تجاه الموضوعات الأكاديمية. وتتكون هذه المهارة من المهارات الفرعية الآتية:

  • الالتزام بأداء مهمة علمية معينة: وتأتي هذه المهارة نتيجة قرار يتخذه المتعلم باختيار هذه المهمة، وذلك لأن قراره يأتي نتيجة فهمه للموقف التعليمي الذي يمر به.
  • الاتجاه الإيجابي نحو أداء المهمة العلمية: وهي تعبر عن شعور المتعلم بأنه قادر على أداء المهمة بنجاح، معتمدًا على إمكانياته أو حتى على مساعدة الآخرين، فهو في هذه الحالة مصمم على نجاح المهمة التي يقوم بها.
  • السيطرة على الانتباه لمتطلبات المهمة العلمية: وهي تأتي نتيجة إدراك المتعلم بأنه يجب عليه أن يسيطر على مستوى ومركز انتباهه لجميع متطلبات المهمة العلمية والربط بين المتطلبات لأدائها بدقة (Dillon, 1988).

النوع الثاني: مهارات توظيف المعرفة لأداء المهمة العلمية. وهي المعرفة المناسبة التي على المتعلم استخدامها لأداء المهمة العلمية، وهي المعرفة التي تكون في متناول يد المتعلم. وتتكون هذه المهارة من المهارات الفرعية الآتية:

  • المعرفة المعلنة: وهي تتضح عندما يعرف المتعلم ما الاحتياجات التي تتطلبها المهمة، وعندما يعرف المتعلم أيضًا المعلومات الحقيقية، أو عندما يعرف أن هناك شيئًا محددًا عليه القيام به.
  • المعرفة الإجرائية: تتضح عندما يكون المتعلم قادرًا على أداء المهمة العلمية، أو عندما يكون قادرًا على تطبيق استراتيجية معينة لاستكمال أداء المهمة العلمية.
  • المعرفة الشرطية: تتضح عندما يدرك المتعلم السبب وراء استخدام إجراءات معينة، وكذلك تتضح عندما يدرك السبب وراء تحديد ظروف وشروط معينة لأداء المهمة، أو السبب وراء تفضيل إجراءات معينة عن إجراءات أخرى، أو استراتيجية معينة عن استراتيجية أخرى.

النوع الثالث: مهارات الضبط الإجرائي. يستخدم المتعلم هذه المهارات عندما يقوم بعملية التقويم، أو بالتخطيط، أو باختبار مدى تقدمه لاستكمال المهمة العلمية التي يقوم بها. وتشتمل على ثلاثة عناصر هي:

  • التخطيط: وفق هذا الإجراء يتم اختيار الاستراتيجيات لتحقيق الأهداف المراد إجراؤها، وتستخدم هذه المهارة قبل وأثناء أداء المهمة العلمية، وتستخدم أيضًا عندما يريد المتعلم اختيار الإجراءات والاستراتيجيات اللازمة لأداء المهمة.
  • المراقبة: في هذه المرحلة يستخدم المتعلم هذه المهارة أثناء قيامه بأداء المهمة العلمية، وذلك لتوضيح مدى تقدمه تجاه استكمال المهمة العلمية بنجاح.
  • التقييم: في هذه المرحلة يتم التأكد من مدى تقدم المتعلم. وهناك بعض أنواع التقويم التي تصلح لتقويم مهارات ما وراء المعرفة المتنوعة. ومن أكثر الطرق الملاءمة لتقويم مهارات ما وراء المعرفة هي طريقة الورقة والقلم، وهي تستخدم في تقويم المهارات الفرعية المكونة لما وراء المعرفة. ويجد المعلمون في هذا النوع من التقويم مصدرًا هامًا للحصول على معلومات مفيدة في التخطيط للتدريس.

ومما تقدم، ترى وولفولك ثلاثة أنواع من المعرفة هي: المعرفة التقريرية (وهي عبارة عن امتلاك المعلومات والحقائق)، والنوع الثاني المعرفة الإجرائية (ويقصد بها الخطوات المرتبطة بحل المشكلات)، والنوع الثالث المعرفة الشرطية (التي تتضح عندما يدرك المتعلم السبب وراء استخدام إجراءات معينة) (أبو جادو ونوفل، 2007).

ويوضح فلافيل (أبو رياش، 2007) أن تعلم (مهارات التفكير ما وراء المعرفي) يمر بالمراحل الأربعة التالية:

  1. المرحلة الأولى: تركز على إثارة الدافعية لدى المتعلم من خلال المثيرات التي تعرض عليه لتوفير الفرص له للتوصل لأفضل وسيلة لإنجاز المهمات المطلوبة منه.
  2. المرحلة الثانية: توجيه المتعلم لما سيقوم به، ويتم ذلك بطريقتين: الأولى بوجود نموذج يلاحظه المتعلم، والثاني يعتمد على التجربة الذاتية له.
  3. المرحلة الثالثة: تطوير قدرة المتعلم على التحدث إلى الذات، لتمكين الفرد من فهم العمليات المعرفية ولتطوير مهارته عن طريق الممارسة، مع نقل هذه المهارة إلى مواقف جديدة.
  4. المرحلة الرابعة: توظيف العمليات المعرفية بطريقة آلية وفعالة.

المحور الثاني: التعلم الفعال ومهارات التفكير ما وراء المعرفي

إن مفهوم التعلم الفعال لا يعد فكرة جديدة، لأن التعلم بحد ذاته هو عملية نشطة. إلا أن التعلم الفعال كمنحنى أو منهج زاد الاهتمام به مع تطور نظريات التعليم (زامل وعواد، 2008). وتعد بدايات القرن الحادي والعشرين النشأة الواضحة للتعليم الفعال كأحد الاتجاهات التربوية والنفسية المعاصرة ذات التأثير الإيجابي على عملية التعليم داخل الصف وخارجه (سعادة وآخرون، 2006).

إن غاية (التعلم الفعال) هي مساعدة المتعلم على اكتساب الاتجاهات والمهارات والمعلومات، مع تطوير استراتيجيات تمكنه من حل المشكلات داخل الصف وخارجه. وهذا ما تمت الإشارة إليه في استراتيجيات مهارات التفكير ما وراء المعرفي. وللتعلم الفعال سمات من أبرزها دمج المتعلم في فعاليات تعلمية مع التركيز على التفكير الذي يشمل التحليل والتركيب والتقييم، وتطوير مهارات المتعلمين وقلة التركيز على نقل المعلومات، مع تشجيع الطلبة على الانخراط في فعاليات القراءة والمناقشة والكتابة.

ولكي يكون التعلم نشطًا وفعالًا، ينبغي أن ينهمك المتعلمون في قراءة أو كتابة أو مناقشة أو حل مشكلة تتعلق بما يتعلمونه أو عمل تجريبي. وبصورة أعمق، فالتعلم النشط هو الذي يتطلب من المتعلمين أن يستخدموا مهام تفكير عليا فيما يتعلق بما يتعلمونه. بناءً على ما سبق، نبين هنا (عناصر التعلم الفعال):

  • العمل المباشر بالأشياء: وتعني استخدام الأشياء أثناء التعلم مع إشراك الحواس.
  • التأمل بالممارسات: العمل والممارسة وحدهما غير كافيين، بل لابد من دمج النشاط الجسمي والعقلي في التفاعل مع الأشياء.
  • الدافعية الداخلية: تقود الدافعية المتعلم إلى الاستكشاف والتجريب لبناء المعرفة الجديدة.
  • حل المشكلات: هنا يعمل المتعلم على ربط خبرته السابقة بما يواجه من مشكلات حقيقية، وبذلك يتوصل إلى الحل المناسب (زامل وعواد، 2008).

ويتضمن التعلم الفعال بعض أنواع من الخبرة والحوار. فالحوار هناك نوعان: الأول الحوار مع الذات، ويحدث هذا النوع أثناء تفكير الطالب حين يسأل نفسه. أما النوع الثاني فيشمل الحوار مع الآخرين، وهذا النوع يتحقق أثناء المناقشات مع الطلبة والفعاليات التي يقوم بها مع الآخرين.

أما الخبرة فهي على نوعين: الخبرة بالملاحظة، وتتم عن طريق مشاهدة الحدث بشكل مباشر أو غير مباشر، كملاحظة المعلم يقوم بعمل أمام الطالب أو الاستماع إلى المحترفين. أما النوع الثاني فهي الخبرة بالتجربة، وتتم من خلال التعلم بالأنشطة كتصميم هندسي أو تعلم الموسيقى أو نقد الكتابة. مما سبق نرى أن التنظيم الذاتي مرتبط باستراتيجيات ما وراء المعرفة المتعلقة بالمهمة، وهي التي يستخدمها المتعلم، وتعد أحد مكونات التعلم الفعال عندما يكون المتعلم على علم بأنه يستطيع التحكم في أفعاله واتجاهاته واهتماماته تجاه الموضوعات الأكاديمية.

فوائد التعلم الفعال ومواصفات التدريس الفعال

  1. تشكل معارف المتعلمين السابقة خلال التعلم الفعال دليلًا عند تعلم المعارف الجديدة، وهذا يتفق مع استراتيجيات مهارات التفكير ما وراء المعرفي في أن استثارة المعلومات.
  2. يتوصل المتعلمون خلال التعلم الفعال إلى حلول ذات معنى للمشكلات التي يواجهونها، لأنهم يربطون المعارف الجديدة أو الحلول بأفكار وإجراءات مألوفة عندهم، وليس استخدام حلول أشخاص آخرين. وهذا قريب جدًا من التنظيم الذاتي في تعلم مهارات التفكير ما وراء المعرفي (أبو هداف، 2005).
  3. يحصل المتعلمون خلال التعلم الفعال على تعزيزات كافية حول فهمهم للمعارف الجديدة.
  4. الحاجة إلى التعبير عن فكرة خلال التعلم الفعال تجبر المتعلمين على استرجاع معلومات من الذاكرة، ربما من أكثر من موضوع، ثم ربطها ببعضها، وهذا يشابه المواقف الحقيقية التي سيستخدم فيها المتعلم المعرفة.
  5. يعزز التعلم الفعال للمتعلمين ثقتهم بذواتهم والاعتماد على الذات.
  6. يفضل معظم المتعلمين أن يكونوا نشطين خلال التعلم.
  7. المهمة التي ينجزها المتعلم بنفسه خلال التعلم الفعال تكون ذات قيمة أكبر من المهمة التي ينجزها الآخرون له.
  8. يساعد التعلم الفعال على تغيير صورة الطالب للمعلم بأنه المصدر الوحيد للمعلومات، وهذا له تضمين هام في النمو المعرفي المتعلق بفهم طبيعة الحقيقة.

المحور الثالث: دور المعلم في تشكيل أنماط التفكير لدى المتعلمين

إن توفير الفرص للمتعلمين من قبل المعلم له دور فعال في تنمية مهارات التفكير ما وراء المعرفي. ومن الدلائل على امتلاك المتعلمين لمهارات التفكير ما وراء المعرفي هو تمكنهم من وضع قائمة للخطوات التي سيقومون بها، إضافة على قدراتهم على تحديد الخطوة التي وصلوا إليها في تنفيذ المهمة، وموقع هذه المهمة بالنسبة للخطوات اللاحقة. وعندما يصلوا إلى حل المشكلة، يمكنهم حينئذ من تفسير أجوبتهم والاستراتيجية التي أوصلتهم إلى الحل. ويؤكد كوستا وكاليك أهمية المعلم في تنمية التفكير ما وراء المعرفي من خلال قيامه بمجموعة من الإجراءات التالية:

  • يضع المعلم في البداية استراتيجية تعلمية المراد تنفيذها.
  • يحتفظ المعلم بهذه الاستراتيجية طول مدة التعليم والتعلم.
  • يتأمل المعلم فاعلية هذه الاستراتيجية من حيث التغيرات الإيجابية التي أحدثتها في سلوك الطلبة.

وقد يقدم المعلم نموذجًا للاستراتيجية التي ينوي استخدامها، وعلى المعلم أيضًا إعطاء فرصة للممارسة وتوضيح استخدامها (أبو جادو ونوفل، 2007). فدور المعلم هو تدعيم تعلم الطلبة بواسطة تعزيز محاولاتهم نحو تطبيق الاستراتيجية مع إعطائهم تدريبًا لذلك. إن هذا الدعم المؤقت يجب أن يركز على خصائص المتعلمين وطبيعة المادة وطبيعة المهمة. وعلى المعلم سحب الدعم عندما يشعر بأن المتعلمين أصبحوا أكثر فهمًا للمهمة التي يؤدونها. كما على المعلم ربط التدريس المعرفي بالدافعية وربط التقييم بنواتج التعلم. وتختلف نواتج التعلم باختلاف نوع المعرفة التي يهتم المعلم بتوجيه العملية التدريسية نحو تنميتها لدى طلابه.

فالمعرفة هي موضوع الفهم، وهي تقسم إلى قسمين: معرفة تختص بمهام نوعية، ومعرفة لها علاقة بمهام معينة. ويشير النوع الأول من المعرفة إلى المجالات الأكاديمية والاجتماعية. أما النوع الثاني فإنه يشير إلى المهارات المطلوبة للتعلم، وتشمل تركيز الانتباه، ومهارات حل المشكلات، وغيرها.

إن تنمية هذا النوع من المعرفة لدى الطلاب يمكنهم من تحويل مسؤولية تعلمهم من المعلم إلى أنفسهم. وهذا يعني أنه إذا اهتم المعلم بتدريس المهارات المتعلقة بالمعرفة التي لها علاقة بمهام معينة، ومعرفة ما وراء المعرفة (عمليات ما وراء المعرفة)، فإنه بذلك يساعد الطلاب في تعلم كيف يتعلمون. فالطلاب الذين لديهم مهارات مرتفعة في ما وراء المعرفة يكونون متميزين في التخطيط، والتعامل مع المعلومات، ومراقبة تعلمهم ذاتيًا، وتعرف أخطاء تفكيرهم، وتقييم أدائهم. وهذه المهارات ربما تكون ضرورية للتعلم في مجموعات متعاونة.

دور المعلم الفعال

وفي التعلم الفعال، كما أشار زامل وعواد نقلًا عن جبران (2002)، يفترض على المعلم أن يكون مرشدًا للمتعلم وميسرًا للتعلم الفعال وملاحظًا جيدًا للعملية التعليمية. ومن هذا المنطلق، على المعلم القيام بما يلي:

  • مساعدة الطلبة الذين اعتادوا على الأساليب التقليدية في التعلم على التغير والانتقال من التعلم التقليدي إلى التعلم الفعال.
  • تخصيص الوقت الكافي لفحص المبادئ والمفاهيم التي يعتمد عليها التعلم النشط، وفهم نظريات التعلم التي تشكل الأساس في ممارسة التعلم النشط والتي تبين خصائص المتعلمين.
  • اختيار الاستراتيجيات وأساليب التدريس الملائمة للتعلم الفعال.
  • توفير المصادر المادية والبشرية التي تساعد التعلم الفعال، بما في ذلك توفير الوقت والمكان الملائم لذلك.
  • تشجيع المتعلمين على عمل الأشياء وتنفيذ الأنشطة والفعاليات بأنفسهم، مما يعمل ذلك على تزويدهم بالفرص التعليمية.
  • تزويد المتعلمين بالتغذية الراجعة التطويرية بشكل فردي لتمكينه من إدراك الأثر الإيجابي لمشاركته الفعالة في التعلم.
  • توفير المناخ الودي الآمن وتزويد المتعلم بالخبرات المثيرة للتعلم الفعال.

خاتمة: نحو تعليم يُدرّب على "التفكير في التفكير"

إن التفكير فوق المعرفي ليس ترفًا تربويًا، بل هو **جوهر التعلم الفعال** و**مفتاح الاستقلال المعرفي** للمتعلم. فالمتعلم الذي يعرف كيف يفكر، وكيف يراقب تفكيره، وكيف يقيّم استراتيجياته — هو متعلم قادر على مواجهة مشكلات الحياة خارج الصف، لا مجرد حافظ للمعلومات داخل الصف. ومن هنا، فإن **تدريب المعلمين** على استراتيجيات تنمية التفكير فوق المعرفي يُعد أولوية تربوية عاجلة، لا تقل أهمية عن تدريبهم على المحتوى أو التقنية.

والتوصية العملية الأهم: أن يبدأ المعلم بتضمين **أسئلة ما وراء المعرفة** في تدريسه اليومي (مثل: كيف عرفت ذلك؟ ما الاستراتيجية التي استخدمتها؟ هل هناك طريقة أخرى أفضل؟ ماذا لو أخطأت، كيف ستكتشف ذلك؟). فهذه الأسئلة البسيطة، إذا تكررت بشكل منتظم، تُحوّل الصف من **مكان لتلقي المعرفة** إلى **مختبر لتعلم كيفية التعلم** — وهو ما تحتاجه مدارسنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

المراجع

  • أبو جادو، صالح ونوفل، محمد. (2007). تعليم التفكير: النظرية والتطبيق. عمان: دار المسيرة.
  • أبو رياش، حسين. (2007). التعلم المعرفي وما وراء المعرفة. عمان: دار الفكر.
  • أبو هداف، محمد. (2005). التعلم الفعال واستراتيجياته. غزة: مكتبة آفاق.
  • جروان، فتحي. (1999). تعليم التفكير: مفاهيم وتطبيقات. عمان: دار الكتاب الجامعي.
  • الريماي، فؤاد. (2003). مهارات ما وراء المعرفة. عمان: دار وائل.
  • زامل، سامي وعواد، سامر. (2008). التعلم الفعال. الرياض: دار المريخ.
  • سعادة، جودت، وآخرون. (2006). التعلم الفعال. بيروت: دار الشروق.
  • Dillon, R. (1988). Metacognition and Learning. Prentice Hall.
  • Johnson, D. (1992). Metacognition in Educational Theory and Practice. Lawrence Erlbaum.
  • Marzano, R. (1998). Dimensions of Thinking: A Framework for Curriculum and Instruction. ASCD.

مقالات ذات صلة قد تهمّك

اخترنا لك مجموعة من المقالات التربوية الأكثر صلة بموضوع التفكير فوق المعرفي:

التعليقات

إضافة تعليق