الرياضيات وأهميتها في حياتنا
![]() |
| اهمية الرياضيات |
لمعرفة أسرار الطبيعة، استخدم الإنسان الرياضيات بوصفها أداة للتعبير عن مكونات تلك الطبيعة. وأصبحت لغة الرياضيات هي اللغة المناسبة، وقد ساعدت هذه اللغة على استخدام الرياضيات في كثير من مناحي الحياة (الصقار، 1986: 23).
ومن المؤكد أنه يوجد تفاعل متبادل بين تطور الرياضيات ونمو الفكر البشري. فعندما هزمت ألمانيا فرنسا عام 1941، بادرت فرنسا بعد تحريرها مباشرة إلى التعديل السريع في مناهج الرياضيات التقليدية، إذ عممت الرياضيات الحديثة في مدارسها وجامعاتها. وفي عام 1957، تغيرت مناهج الرياضيات في مدارس وجامعات أمريكا بعد أن أطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي (سبوتنيك)، وأدخلت الرياضيات الحديثة وتابعت تطورها إلى أن وصل علماؤها إلى غزو الفضاء في أقصر وقت (الدفاع، 1981: 22-23).
فالرياضيات من وجهة نظر كثير من المربين والمعنيين بتدريسها هي أداة مهمة لتنظيم الأفكار وفهم المحيط الذي نعيش فيه. وينظر موريس كلاين إليها على أنها موضوع يساعد الفرد على فهم البيئة المحيطة والسيطرة عليها، وأن الرياضيات تزداد وتتطور من خلال خبراتنا الحسية في الواقع (Klien, M, 1974: 33).
ولهذا تحتل الرياضيات مكانة متميزة بين المجالات المعرفية لما لها من تطبيقات متعددة ومتنوعة وقيم جمالية تتمثل في طرائق معالجتها ونتائجها. كما تعد الرياضيات بما تتميز به من طبيعة استدلالية ولغة رياضية تمتاز عن اللغة الاعتيادية بدقة التعبير ووضوحه وإيجازه، وتسهل التواصل الفكري بين الناس وتتصف بأنها لغة الرموز والعلاقات (أبو زينة، 2001: 19-20). إذ أن معظم النظريات العلمية مبنية على أساس الرياضيات، فيمكن من خلالها استنتاج العلاقات الفيزيائية والكيميائية وغيرها. كما أن الرياضيات ليست مجرد عمليات روتينية منفصلة أو مهارات، بل هي أبنية محكمة يتصل بعضها ببعض اتصالاً وثيقاً مكوناً في النهاية بنياناً متكاملاً، أي أن البنى الرياضية هي إحدى السمات الفكرية الحديثة (كلاين موريس، 1987: 146-147). لذا غدت الرياضيات من المكونات الأساسية للثقافة التي لا يمكن الاستغناء عن دراستها في ميادين الحياة جميعها (التويجري، 1990: 37).
كما توصل (علاونة، 2002) إلى أن الرياضيات ضرب من ضروب التفكير المجرد الذي يعتمد على الرموز بدلاً من المحسوسات. ولذلك فإن الاتجاهات الحديثة نحو مناهج الرياضيات وأساليب تدريسها تؤكد أن الرياضيات أسلوب في التفكير أساسه الفهم والمنطق (علاونة، 2002: 88).
وقد ذكر (Dienes, 1977) بأن الرياضيات تقوم على مفهوم المجموعة والهيكل (البنية)، أي مجموعة من العناصر. وتعرف الرياضيات أنها دراسة البنى والعلاقات بين هذه البنى التي تكونت لدينا نتيجة لتجاربنا الطويلة والحقيقية مع البيئة. لذلك يجب العناية أولاً بإنشاء بناء هذه البنى، ومن ثم تأتي العناية بتنسيق العلاقات بين هذه البنى أو العلاقات الداخلية في كل بنية. لذلك يؤكد (Dienes) على مساعدة الطلبة أولاً على تكوين البنى والأفكار الرياضية عن طريق التجارب الحسية المباشرة، والتي ستكون حجر الأساس الذي يعتمد عليه تعلم الرياضيات فيما بعد، نقلاً عن (الأمين، 2001: 89).
وهذا ما أدى إلى ظهور النظريات التربوية الحديثة في التعليم والتعلم، وكان لها الأثر في إعادة تنظيم بنية المادة الرياضية وطرائق تدريسها (البكري، 2001: 15).
لقد نجحت بلدان كثيرة في تطوير مناهج الرياضيات في مدارسها بوصفها نتيجة لهذه البرامج الرامية إلى التجديد والتغيير، والتركيز على المبادئ الأساسية والدعوة إلى التفكير والتعلم المجرد والمنطق الرياضي السليم بعيداً عن الفهم الآلي والاستظهار والحفظ. إذ أن التقدم العلمي والتكنولوجي بصفة عامة وإثراء المعرفة وتطوير أسلوب الرياضيات وطرق تدريسها كانت من العوامل المهمة التي دعت كثيراً من دول العالم إلى إعادة النظر في مناهج الرياضيات وتطويرها واستخدام مناهج وطرائق تدريس حديثة لتواكب روح العصر. كما أكدت على تدريس المفاهيم الرياضية في المراحل الأولى بطريقة محسوسة وواقعية وعملية حياتية، ثم تتدرج المعالجة لتبدو شبه المحسوسات إلى أن تصل وبالتدريج إلى المعالجة المجردة، حيث يزداد المفهوم الرياضي عمقاً وتجريباً (هندام، 1982: 56-63).
تدريس الرياضيات
يرى بعض التربويين أن أهمية طرائق التدريس تكمن في ثلاث جوانب رئيسية هي: المدرس والطالب والمادة الدراسية. فهي تعين المدرس على تحقيق أهدافه، وتمنح الطالب الانتقال بصورة منتظمة من فقرة إلى أخرى، وهي وسيلة نقل للمادة التعليمية (داوود، 2000: 41).
ومن هذا المنطلق يجب البدء من مسلمات النظرية التدريسية، وهي:
- المسلمة الأولى: لا يوجد ما يسمى بالطريقة المثلى في التدريس أو طريقة تناسب كافة المواقف لكل المواد التدريسية.
- المسلمة الثانية: أن التدريس مهنة وليس حرفة.
- المسلمة الثالثة: أن الطريقة الفاعلة في التدريس تتضمن أكثر من مجرد تقديم معلومة (سلامة، 1995: 18-20).
وتعرف طريقة التدريس بأنها عملية اجتماعية يتم من خلالها نقل مادة التعلم، سواء أكانت معلومة، أم قيمة، أم حركة، أم خبرة، من مرسل نطلق عليه اسم المدرس أو المعلم، إلى مستقبل نطلق عليه اسم المتعلم. وبمعنى آخر هي "عملية تتكون من عدد من الإجراءات لتحقيق أهداف متوخاة، تشتمل على أنشطة تعليمية وتعلمية، وتوظف كل مصادر التعلم المتاحة" (الحيلة، 2001: 93).
ويرى قطامي أن متغيرات طريقة التدريس يمكن أن تصنف وفقاً لثلاثة أنماط هي:
- التنظيم: ويرتبط بطرق تنظيم المحتوى المعرفي الذي يضمه أي موضوع دراسي يراد تدريسه.
- استراتيجية التعلم: وتتضمن الأسلوب الذي سيتم وفقه تنظيم التعلم.
- إدارة العلم (قطامي وقطامي، 1998: 16).
ولا شك بأن طرائق التدريس كثيرة ومتعددة ومعروفة لدى المعلم، ولاسيما خريج كلية التربية أو معاهد المعلمين. ولكن المشكلة تكمن في مسألة اختيار الطريقة المناسبة، وهذه مسألة ترجع إلى فاعلية المعلم. وكما أشار بيتر دركر (Peter Drucker) فإنه يمكن تعلم هذه الفاعلية، وهذا يتطلب تعلم كيفية معالجة خمس مواهب هي: تدبير الزمن، واختيار ما تسهم به، ومعرفة أين تستخدم قوتك لتحقيق أفضل الأثر، وتحديد الأوليات الصحيحة، ثم الربط بين هذه كلها معاً في نسيج واحد باتخاذ القرارات الفعالة.
ويمكن القول بصفة عامة أنه يمكن للمدرس القائد أن يستخدم ثلاث محكات لكي يتخير على أساسها طريقة التدريس المناسبة، وهي:
- طبيعة أهداف التعلم التي يراد تحقيقها.
- الحاجة إلى إثراء خبرة المتعلم، بحيث تروض الدافعية المنشأ والخارجية المنشأ.
- قدرة التلاميذ المنغمسين في العمل.
وطريقة التدريس كجزء من عناصر المنهج يعطى لها اهتماماً أكثر من أي عنصر آخر. لذا يجب على المعلم أن ينوع في الأساليب والطرق التي يتبعها مع تلاميذه تبعاً لطبيعة الدرس، وأهداف تدريسه، وخبرات التلاميذ السابقة ذات العلاقة بالدرس، ومدى ملاءمة الدرس لمستوى نمو التلاميذ، وما في المدرسة والبيئة المحلية من إمكانيات. وتختلف هذه الطرق والأساليب من درس إلى آخر ومن مجموعة تلاميذ إلى مجموعة أخرى، وقد يتخذ المعلم أكثر من طريقة في الدرس الواحد (فوزي والكازة، 1983: 112-114).
والتنوع في طرق التدريس ضروري لأن هناك فروقاً فردية بين قدرات واتجاهات التلاميذ وخلفياتهم ومستوياتهم وتحصيلهم في الرياضيات. ويجب اختيار طرق تدريس تناسب الموضوع الدراسي، وذلك ما أثبته خبراء تعليم الرياضيات والباحثون في هذا المجال.
وقد أخذت بذلك العديد من الدول التي أحدثت تغييرات منظومية (Systemic Change) في تطوير تدريس الرياضيات (وليم، 2002: 2).
ومع عناية التربية الحديثة بالمادة والطريقة معاً، أصبح تدريس الرياضيات لمن يقوم بتدريسها لا يعني قدرته على السيطرة على قوانينها ونظرياتها وتركيباتها فحسب، وإنما معرفة ما سبق، خبرة من الخبرات التي تكتسب وتنمو وتنضج على أساس ومقومات معينة حسب الأصول المقررة للرياضيات والاستعداد الفني لكل معلم يقوم بتدريس الرياضيات.
إن من صفات تدريس الرياضيات الحديثة هي زوال التدريب الآلي كلية بوصفها فعالية مستقلة في تطوير المهارات واستذكار الحقائق (الصقار، 1986: 20). إذ ينبغي على المعلم أن يقوم أسلوبه في التدريس على الفهم، لأن التدريس الآلي يقتل روح الإبداع عند الطلبة، فيظل ضعيفاً في التجريد والتعميم. في حين أن أسلوب التدريس بفهم يمد الطالب بأساس قوي من فهم المبادئ والمفاهيم المترابطة التي تساعده على فهم العملية الرياضية. وإن فهم الطالب لأي مبدأ يعني معرفته كيف ومتى يستطيع استخدامه. إذ أن المهارات الآلية لا تفيد إلا في المواقف المألوفة، أما في المواقف الجديدة فلا يستطيع الطالب أن يفكر تفكيراً ناجحاً ما دام لا يعرف إلا المهارات التي لا تساعده على فهم المواقف المعقدة. وأن تدريس الرياضيات في كثير من مدارسنا كان يعتمد على التدريس الآلي، أي يقوم المتعلم بتكرار ما عرض عليه دون أن يستوعب المادة ويدركها. فلهذا أوضح (ريان، 1984) أن على المعلم أن يقرر أولاً أي القواعد والمبادئ والقوانين والحقائق والتعاريف التي يقوم بتدريسها يستحق الحفظ اللفظي، وأيها يحتاج إلى تذكر الأفكار الرئيسة فيها دون التقيد باللفظ (ريان، 1994: 219).
ومن الاتجاهات الحديثة في تدريس الرياضيات هو الاتجاه إلى تدريس الرياضيات ليس لمجرد اكتساب المعلومات فحسب، وإنما لإجراء العمليات على مفاهيم هذه المعلومات وإمكانية تطبيقها في مجالات أخرى فضلاً عن مجال الرياضيات، والتأكيد على عناية الطلبة بالرياضيات وتكوين اتجاهات إيجابية نحوها.
وذلك بالدعوة إلى دور فاعل للطالب في التعلم والتعليم، وأن بمقدور الطالب أن يستخدم قدراته الذهنية في تناول المفاهيم ومعالجة المعلومات وتكوين بنيته المعرفية بتوجيه من مدرسيه بدلاً من تلقيه المعلومات جاهزة واسترجاعها حينما يطلب منه. فعلى طرائق التدريس الحديثة أن توفر فرصاً للطلاب للخروج من هذه الاستراتيجيات التي يسيطر عليها المعلم، مما قد يساعدهم في اكتساب اتجاهات أفضل نحو تعلم الرياضيات. كما أن كثيراً من الطلبة ممن يلقون القليل من النجاح في تعلمهم المفاهيم والمبادئ الرياضية من خلال العرض المجرد قد يحققون نتائج أفضل من خلال تعاملهم بالمحسوسات الأقل تجريداً، مما يؤدي إلى تحسين تقديرهم لأنفسهم وتحسن اتجاهاتهم نحو الرياضيات (بل، 1986: 187-188).
في حين توصل (هندام) إلى ضرورة تطبيق الأساليب التي تساعد الطلبة على تكوين البصيرة الرياضية والفهم. حيث ينظر إلى التعليم السطحي الذي يجري الآن تحت اسم فهم الرياضيات على أنه لن يولد البصائر الرياضية من على السبورة. كما أن المسألة الرياضية تحتوي على عدد من العناصر، إذا أدرك الطالب العلاقة بينها إدراكاً سليماً أدى ذلك إلى الحل السليم (هندام، 1982: 11-14).
ولقد اختلفت الدراسات والبحوث في بيان أي الطرائق أفضل من الأخرى. ومعظم التربويين يؤكدون أن من المسلمات (أنه لا يوجد ما يسمى بالطريقة المثلى في التدريس أو طريقة تناسب كافة المواقف ولكل المواد الدراسية) (سلامة، 1995: 8). ويرى آخرون بأن أفضل طريقة في التدريس هي أنه لا تكون هناك طريقة واحدة فقط للتقديم خلال الدرس الواحد (قطامي وقطامي، 1998: 39).
ولهذا بدأت نظريات تعليمية عديدة تفرض نفسها على أدبيات التربية والتعليم، وركزت على عملية تحليل شكل التعليم وبيئته إلى صورة مبسطة ومترابطة، مستفيدين من نظرية (التصنيف) أو معالجة النظم ومحاولة التفكير عملياً في التعلم وأنواعه. وفي ضوء هذه الأفكار ظهرت أساليب وطرائق جديدة تنادي بتوليف عدد من النظريات لأجل تجريب طرائق جديدة للتعليم. وفلسفة هذا النوع من الأساليب هي أن المشكلة الأساسية في التعليم ليست إضافة معارف أو معلومات أو مهارات محددة، بل ينبغي أن يكون التعليم مبنياً على أساليب مرنة تعلم الطالب كيفية التعلم (Gagne, 1974).
إن المصادر الحديثة التي تناولت التعليم وأساليبه أكدت بشكل أساسي ضرورة النظر إلى المنهج التعليمي ككل شامل، في ضوء منظور علمي يأخذ بنظر الاعتبار المفاهيم الأساسية في التعليم. ولقد عرض (Joyces, 1980) في كتابهما (نماذج التدريس) أكثر من (25) أنموذجاً للتدريس والتعليم، استحدثت من مدارس علم النفس التي صنفت على وفق وجهة نظرهما إلى خمس مدارس رئيسة. إلا أن الكاتبين في نهاية الكتاب اتفقا على أن النماذج جميعها التي استعرضاها لا يمتلك كل منها منفرداً الإجابة الحقيقية والصحيحة على كل مسائل التعلم، إذ لا يصلح أي أنموذج منها منفرداً لكل أنواع التعلم وللمتعلمين جميعهم. وكما فقد أشارا إلى الحاجة على أنه يكون هناك أنموذج للنماذج، بمعنى آخر أن نستخلص أنموذجاً يتلاءم مع المتعلم والموقف التعليمي الذي يحيط بعملية التعلم ومادته (Joyces, 1980: 400-471).
كما أن النماذج الرياضية تستخدم لمساعدة الطلبة في اكتساب أساليب التفكير، إذ أن تنوع هذه النماذج يشكل حلقات الوصل بين عمليات التفكير التي يقوم بها الإنسان والواقع، وتساعد على الانتقال من مستوى محسوس إلى مستوى تجريدي، وتضيف الواقعية على الأفكار المجردة.
وجعل تدريس الرياضيات جديراً باهتمام التلميذ هو أمر من صميم مسؤولية المدرس. ومما يساعد على كل ذلك، وضوح أهدافه في أذهان التلاميذ، ووعيهم بأثر الرياضيات في خدمة مجتمعهم (شوق، 1997م: 116-119).

التعليقات
إضافة تعليق